وأشار الموقع إلى أن الهجوم الأميركي والإسرائيلي على إيران جاء بعد عقود من العقوبات التي فشلت في دفع الإيرانيين إلى إسقاط النظام، قبل أن تنتقل المواجهة إلى الحرب، ومن ثم إلى الحصار البحري. ورغم أن كل مرحلة من مراحل التصعيد زادت من معاناة الإيرانيين وأثرت في الاقتصاد، فإنها لم تحقق الهدف النهائي المتمثل في إجبار طهران على الاستسلام.
وأوضح التقرير الّذي ترجمه “لبنان 24″، أن الاقتصاد الإيراني يمر بأسوأ أوضاعه منذ عقود، بعدما أدت سنوات العقوبات الصارمة إلى محو نحو عقدين من النمو الاقتصادي، فيما تسببت أشهر الحرب في أضرار تقدر بمئات مليارات الدولارات للبنية التحتية والقدرات الإنتاجية، إلى جانب ارتفاع أعداد العاطلين عن العمل بملايين الأشخاص.
لكن الموقع رأى أن الصورة التي تصور إيران على أنها تقف على حافة انهيار اقتصادي كامل تبدو مبالغًا فيها، مشيرًا إلى أن الاقتصاد الإيراني عانى من النمو البطيء والركود منذ فرض الرئيس الأميركي دونالد ترامب سياسة “الضغط الأقصى” عام 2018، إلا أن وصف الوضع بالركود والتباطؤ يبقى أكثر دقة من وصفه بالانهيار.
ولفت التقرير إلى أن عدد العاملين في إيران ارتفع، بعد تراجع أولي، من نحو 23 مليونًا إلى 25 مليونًا قبل اندلاع الحرب في حزيران، فيما تجاوز نمو الوظائف نمو السكان في سن العمل، الذين ارتفع عددهم بنحو 1.7 مليون شخص خلال الفترة نفسها.
إلا أن الحرب غيّرت هذا المسار، إذ تراجع الناتج المحلي الإجمالي والتوظيف خلال ربيع عام 2026، واختفت بحلول حزيران قرابة نصف مليون وظيفة، معظمها نتيجة حملة القصف التي بدأت في 28 شباط. كما ارتفع معدل البطالة، الذي بقي دون 8% خلال العامين السابقين، إلى 9.1% في الربيع، وسط توقعات بارتفاعه مع إغلاق مزيد من الشركات بسبب نقص المدخلات المستوردة.
ويشير التقرير إلى أن قياس حجم الاقتصاد الإيراني وتطوره ليس أمرًا بسيطًا، خصوصًا عند تحويل الناتج من الريال إلى الدولار، لأن انخفاض قيمة العملة يمكن أن يعطي انطباعًا بانهيار اقتصادي أكبر بكثير من التراجع الفعلي في كمية السلع والخدمات التي ينتجها الإيرانيون ويستهلكونها.
وبحسب بيانات البنك الدولي القائمة على تعادل القوة الشرائية، ارتفع الناتج المحلي الإجمالي للفرد في إيران عام 2025 بنسبة 9.6% مقارنة بعام 2018، عندما أطلق ترامب حملة “الضغط الأقصى”، وبنسبة 5.5% مقارنة بعام 2011، عندما شددت إدارة الرئيس باراك أوباما العقوبات على إيران وقيّدت تجارتها الدولية بصورة متزايدة.
ويرى التقرير أن هذه الأرقام لا تعكس نموًا اقتصاديًا قويًا، لكنها في الوقت نفسه لا تصف اقتصادًا يقف على حافة الانهيار. ويكتسب هذا الفارق أهمية كبيرة لأن استراتيجية “الضغط الأقصى” قامت إلى حد كبير على افتراض أن تشديد الخناق الاقتصادي مرة إضافية يمكن أن يدفع اقتصادًا منهكًا، وبالتالي النظام السياسي، إلى الانهيار.
أما بالنسبة إلى تأثير الحرب، فيوضح التقرير أن أحدث أرقام الناتج المحلي التي تغطي فترة الحرب، أي أرقام ربيع 2026، أظهرت انكماشًا محدودًا نسبيًا، إذ كان الناتج أقل بنسبة 0.21% فقط من مستواه في ربيع العام السابق.
ويعتبر التقرير أن جزءًا من محدودية التراجع يعود إلى نمو قطاع المرافق والخدمات العامة بنسبة 6.5%، وهو قطاع تدعمه الدولة بشكل كبير وتوفره الحكومة إلى حدٍّ واسع، بينما نما قطاع الصناعات التحويلية بنسبة 1.46%.
لكن الموقع يحذر من أن كلا القطاعين أصبح أكثر عرضة للخطر مع استمرار الحرب، إذ تضررت الصناعات التحويلية من اضطرابات الإمدادات القادمة من منشآت الصلب والبتروكيماويات التي تعرضت لقصف شديد، فيما أصبحت مرافق الخدمات العامة نفسها أهدافًا للهجمات الأميركية.
التحويلات النقدية ساعدت الفقراء على الصمود
وينتقل التقرير إلى مستوى معيشة الأسر، معتبرًا أن بيانات الدخل والإنفاق السنوية تقدم مؤشرًا أفضل على الوضع الاقتصادي الحقيقي للأسر الإيرانية.
وبحسب بيانات السنوات السابقة، ارتفع متوسط الإنفاق الحقيقي للفرد خلال السنوات الثلاث التي سبقت حرب حزيران، بين 2021/2022 و2024/2025، بينما انخفضت معدلات الفقر.
ويعزو التقرير جانبًا مهمًا من قدرة الاقتصاد الإيراني على الصمود إلى إحياء وتوسيع برامج التحويلات النقدية في عهدَي إبراهيم رئيسي ومسعود بزشكيان، والتي ركزت على إعادة توزيع الأموال لمصلحة الفئات الفقيرة، خلافًا للسياسات الأكثر انفتاحًا على السوق وقطاع الأعمال التي اتبعها الرئيس حسن روحاني.
ورغم أن هذه التحويلات لم تعوض الأسر بشكل كامل عن سنوات التضخم والعقوبات، فإنها ساعدت على تخفيف آثارها، وساهمت في الحد من الجوع بين الفئات الأكثر فقرًا.
لكن التقرير يشير إلى أن لهذه السياسة حدودًا، إذ إن العقوبات والحصار يخنقان عائدات النفط ويدفعان الحكومة إلى طباعة الأموال لتمويل التحويلات، ما يؤدي في المقابل إلى ارتفاع الأسعار.
وفي الربيع، ومع سقوط القنابل على طهران ومدن إيرانية كبرى، ارتفعت الأسعار بمعدلات سنوية من ثلاثة أرقام، في مؤشر على حجم الضغوط التي بدأت الحرب تفرضها على الأسر.
لماذا لم ينهَر الاقتصاد حتى الآن؟
ويشير التقرير إلى أن هدنة قصيرة في 17 حزيران، مع توقيع مذكرة تفاهم بين إيران والولايات المتحدة، أدت إلى انخفاض سعر الدولار بنسبة 15%. كما ساهم التراجع المؤقت في القتال في تخفيف التضخم، بعدما بلغ معدل التضخم السنوي في الشهر السابق نحو 99%.
ويعتبر الموقع أن سياسة الحكومة الإيرانية المتمثلة في السماح للأسعار، بما في ذلك سعر الصرف، بالارتفاع بدلًا من تثبيتها واللجوء إلى نظام تقنين ساعدت الاقتصاد على الصمود، كما تفسر جزئيًا سبب عدم دقة التوقعات المتكررة بشأن قرب حدوث انهيار اقتصادي وشيك.
لكن التقرير يحذر من أن قدرة حكومة بزشكيان على مواصلة هذه السياسة ليست مضمونة، خصوصًا إذا ظهرت أزمة حقيقية في إمدادات الغذاء والوقود، وهو ما قد يدفع الحكومة إلى اللجوء إلى التقنين.
ويخلص التقرير إلى أن إيران دفعت ثمنًا هائلًا نتيجة مقاومتها للعقوبات والحرب والحفاظ على استقلالها، إذ أضعفت العقوبات النمو والاستثمارات وزادت التضخم، بينما دمرت الحرب أصولًا إنتاجية ووظائف.
ومع ذلك، يرى التقرير أن الاقتصاد يمكن أن يبقى في حالة سيئة لفترة طويلة جدًا من دون أن ينهار بالكامل، خصوصًا عندما تكون الدولة قادرة على إعادة توزيع الدخل لمصلحة الفقراء، وعندما يولي المجتمع أهمية كبيرة للحفاظ على الاستقلال الوطني.







اترك ردك