ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ اتهم نتنياهو خلال الأيام التي تلت الانتخابات بسرقة الاقتراع وعدم شرعيته، مطالبًا بفتح تحقيقات، ومهاجمًا خصومه السياسيين. ويرى التقرير أن هذا السلوك يطرح تساؤلات بشأن أهدافه الحقيقية، خصوصًا أنه لا يزال في السلطة، ومن المرجح أن يستمر فيها في ظل غياب بديل قادر على تشكيل حكومة.
ويلفت التحليل إلى احتمالين أساسيين وراء موقف نتنياهو: الأول أنه يمهّد الطريق لإجراء انتخابات جديدة خلال الأشهر المقبلة، من خلال تصوير خصومه على أنهم غير شرعيين، بما قد يساعده على تحسين نتائج معسكره. أما الثاني، فهو أنه يدرك أن التحالف الذي يقوده بدأ يتفكك، وأن قدرته على إدارة الحكومة بأغلبية مستقرة قد تكون شارفت على نهايتها.
حملة انتخابية لا تنتهي
يرى التقرير أن نتنياهو، المعروف بقدرته على إدارة المعارك السياسية، لا يزال يتصرف بعقلية المرشح الذي يخوض حملة انتخابية، وليس رئيس حكومة حسم فوزه.
وفي هذا الإطار، يركز نتنياهو اتهاماته بشأن التدخل الخارجي في الانتخابات على الأحزاب العربية، التي حققت نتيجة تاريخية بحصولها على 19 مقعدًا في الكنيست.
ويشير التقرير إلى أن منشوراته على منصة “إكس” منذ صباح الأربعاء، باستثناء رسائل الشكر للقادة الأجانب الذين هنأوه، انصبت على مهاجمة الأحزاب العربية أو اتهامها بسرقة الانتخابات.
لكن السلطات الانتخابية الإسرائيلية وجهاز الأمن العام “الشاباك” أكدا، بحسب التقرير، أن أي تدخل محتمل كان محدودًا، وأن الانتخابات لم تتعرض للسرقة فعليًا.
ويعتبر التحليل أن حملة نتنياهو تستهدف تحقيق غايتين: الأولى نزع الشرعية عن إمكانية تشكيل حكومة معارضة تجمع أحزابًا يهودية وعربية وتطيح به من السلطة، والثانية تهيئة الظروف لتحقيق نتيجة أفضل في انتخابات جديدة.
وفي المقابل، ستجد أحزاب المعارضة اليهودية نفسها أمام معادلة صعبة، إذ سيكون عليها انتقاد اتهامات نتنياهو من دون الظهور بمظهر المتحالف مع الأحزاب العربية، التي لا تزال موضع شك لدى شريحة من الناخبين اليهود.
وبحسب الأرقام التي يستند إليها التقرير، يمتلك معسكر نتنياهو حاليًا 53 مقعدًا في الكنيست، أي أقل بثمانية مقاعد من الغالبية المطلوبة. ويرى التحليل أن رفع هذا العدد إلى 57 أو 58 مقعدًا في انتخابات مقبلة قد يمنحه هامشًا كافيًا لإعادة تشكيل ائتلاف حكومي.
رئيس حكومة من دون حكومة؟
لكن التقرير يطرح قراءة أعمق للنتائج، مفادها أن نتنياهو قد يتمكن من البقاء في منصبه، من دون أن يكون قادرًا على إدارة حكومة تمتلك غالبية برلمانية فعلية.
وبحسب التوزيع التقليدي للمقاعد، حصل معسكر نتنياهو، المؤلف من الأحزاب اليمينية والحريدية، على 53 مقعدًا، فيما نالت أحزاب المعارضة التي تقودها قوى يهودية 48 مقعدًا، مقابل 19 مقعدًا للأحزاب العربية المعارضة لنتنياهو.
إلا أن التحليل يقدم قراءة مختلفة للنتائج، تقوم على تصنيف الأحزاب وفق موقفها من الصهيونية، التي يعرّفها عمومًا بأنها الإيمان بدولة يهودية والدفاع عنها.
وبموجب هذا التصنيف، تحتفظ أحزاب المعارضة اليهودية بـ48 مقعدًا، في حين لا يتجاوز عدد المقاعد التي تشغلها الأحزاب الصهيونية المعلنة داخل معسكر نتنياهو 40 مقعدًا، وهي أحزاب “الليكود” و”الصهيونية الدينية” و”عوتسما يهوديت” اليمينية المتطرفة.
ويشير التقرير إلى أن ذلك يعني أن 88 مقعدًا فقط من أصل 120 في الكنيست تشغلها أحزاب تعلن بوضوح التزامها بالصهيونية، وأن معظم هذه المقاعد تقع ضمن معسكر خصوم نتنياهو.
وحتى في حال احتساب حزب “شاس” الحريدي الشرقي ضمن معسكره، وهو الحزب الذي يصف موقفه من الخدمة العسكرية بأنه معتدل، فلن يتجاوز مجموع المقاعد 46، أي أقل بقليل من مجموع مقاعد المعسكر اليهودي المعارض لنتنياهو.
ويعتبر التقرير أن ارتفاع نسبة المشاركة في الانتخابات يجعل النتائج انعكاسًا دقيقًا نسبيًا لتركيبة المجتمع الإسرائيلي وتوجهاته السياسية.
الخلاف حول تجنيد الحريديم يهدد تحالف نتنياهو
ويشير التحليل إلى أن نتنياهو اعتمد لأكثر من عقد على تحالف اليمين والأحزاب الحريدية لضمان بقائه في السلطة، إلا أن هذا المعسكر تقلّص وبدأ يشهد انقسامات داخلية، على خلفية الخلاف بشأن تجنيد اليهود الحريديم في الجيش الإسرائيلي.
ففي حين يؤيد معظم اليهود الإسرائيليين إلزام الجميع بالخدمة العسكرية، تتمسك الأحزاب الحريدية بالإعفاءات التي تتمتع بها قواعدها منذ سنوات، وتطالب بتثبيتها قانونيًا.
ويرى التقرير أن نتنياهو، حتى لو بقي رئيسًا للحكومة، سيواجه صعوبة في تمرير قانون يضمن استمرار إعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية، بسبب افتقاره إلى غالبية برلمانية كافية، وهو ما قد يضع علاقته بحلفائه أمام اختبار حقيقي.
وفي المقابل، لن تتمكن أحزاب المعارضة أيضًا من تمرير قانون الإعفاءات، كما أن إقناع الأحزاب الحريدية بالانتقال إلى معسكرها يبدو أمرًا مستبعدًا.
وبالتالي، فإن استمرار الانسداد السياسي قد يفضي إلى بقاء نتنياهو في رئاسة الحكومة، ولكن من دون ائتلاف يمتلك الأغلبية اللازمة، ومن دون القدرة على إقرار التشريعات التي يحتاج إليها للحفاظ على تماسك شركائه السياسيين.
ويطرح التقرير تساؤلًا بشأن المدة التي يمكن أن يستمر فيها هذا الوضع، خصوصًا أن نتنياهو يبلغ 77 عامًا، متسائلًا عما إذا كان سيتمكن من تشكيل حكومة أغلبية فاعلة مجددًا، في حال أخفق في تحقيق ذلك خلال العام أو العامين المقبلين.
ويخلص التحليل إلى أن هذا الواقع قد يفسر سبب تعامل نتنياهو مع نتائج الانتخابات باعتباره سياسيًا محاصرًا، لا زعيمًا منتصرًا، وإصراره على التشكيك في شرعية الاقتراع.
فقد تكون اتهاماته جزءًا من استراتيجية تمهّد لانتخابات جديدة، أو أنها تعكس إدراكًا متزايدًا بأن التحالف السياسي الذي قاده لسنوات بدأ يتفكك بفعل الانقسامات داخل المجتمع الإسرائيلي.










اترك ردك