وبحسب التقرير، بدأ تنفيذ صيغة “المناطق التجريبية” في 20 تموز، على أساس انسحاب إسرائيلي تدريجي، وتسليم السيادة إلى الجيش اللبناني، وإنهاء الوجود المسلح لـ”حزب الله” في هذه المناطق.
لكن دانيال ماير، أستاذ العلوم السياسية ومدير برنامج الماجستير في دراسات الشرق الأوسط في “ساينس بو غرونوبل”، قال إن إسرائيل تتعامل مع هذه المناطق كأداة لإضعاف قدرة “حزب الله” على الاستمرار في جنوب لبنان، وليس كوسيلة للانسحاب، معتبرًا أن الهدف الإسرائيلي هو إبطاء الانسحاب من الجنوب إلى أقصى حد ممكن.
وأشار التقرير إلى أن التناقض يظهر بوضوح في زوطر الغربية، إذ لا تزال القوات الإسرائيلية موجودة على بُعد مئات الأمتار في زوطر الشرقية، حيث تنفذ عمليات هدم وقصف شبه يومية.
وبحسب بيانات جمعها تجمع “Public Works Studio” البحثي ومقره بيروت، تعرضت زوطر الشرقية بين أواخر حزيران وأواخر تموز لعمليات هدم منازل، وتوغلات برية، وتفجيرات مضبوطة، وعمليات إحراق وتجريف للأراضي باستخدام الآليات الثقيلة. وخلال وجود فريق “Middle East Eye” في المنطقة، سُمعت خمسة انفجارات مصدرها زوطر الشرقية، مع تصاعد الدخان في الأفق.
وفي زوطر الغربية، رصد التقرير دمارًا واسعًا في المباني وآثار غارات جوية إسرائيلية، إضافة إلى آثار رصاص قال إنها تشير إلى هجمات برية بالدبابات الإسرائيلية.
لكن المفارقة، بحسب التقرير، أن زوطر الغربية لم تشهد وجودًا بريًا إسرائيليًا مستمرًا أو احتلالًا فعليًا للبلدة، ولم تكن هناك مؤشرات على إقامة الجنود الإسرائيليين فيها. كما لم يجد “Middle East Eye” مظاهر الاحتلال التي وثّقها في قرى أخرى، مثل الكتابات العبرية على الجدران، والمخلفات البشرية أو نهب ممتلكات السكان.
وبالتالي، يرى التقرير أن الحديث عن “انسحاب” إسرائيلي وتسليم منطقة إلى الجيش اللبناني يبدو مختلفًا عن الواقع، إذ لم يكن هناك أصلًا وجود بري إسرائيلي مستمر في زوطر الغربية لتسليمه.
كما أن الطريق الرئيسية المؤدية إلى البلدة لا تزال مغلقة بسبب استمرار الوجود الإسرائيلي في المناطق المحيطة، ما يجعل الحديث عن عودة السكان إلى حياتهم الطبيعية أمرًا صعبًا.
وقال ماير، بحسب التقرير، إن “استعادة السلطة اللبنانية” لا يمكن أن تتحقق في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي، معتبرًا أن “المناطق التجريبية” تمنح انطباعًا باستعادة السيادة اللبنانية، فيما تواصل إسرائيل استراتيجية الاحتلال من دون نهاية واضحة.
ونقل التقرير عن عباس حري، أحد سكان زوطر الغربية، قوله إن الحياة في البلدة لن تعود ما دامت القوات الإسرائيلية موجودة في زوطر الشرقية.
وأضاف أن منزله أصبح غير صالح للسكن، وأن الانفجارات استمرت طوال الليل، معتبرًا أن ما يحدث يمنع السكان من العودة إلى حياتهم الطبيعية.
وأشار حري إلى أن ابنته البالغة من العمر ثلاث سنوات أصبحت قادرة على التمييز بين صوت الطائرة وصوت الانفجار، متسائلًا عمن سيعوض السكان عن الآثار التي يتعرضون لها.
ولفت التقرير إلى أن الاتفاق الإطاري لا يحدد موعدًا واضحًا لانسحاب إسرائيل من “المنطقة العازلة” الأوسع التي أقامتها على طول الحدود، فيما يقول مسؤولون إسرائيليون إنهم يعتزمون إبقاءها طالما بقي “حزب الله” مسلحًا.
كما أورد التقرير أن زوطر الغربية وفرون وصريفا تقع قرب “الخط الأصفر”، وهو خط أعلنته إسرائيل من جانب واحد لتحديد منطقة سيطرتها العسكرية داخل الأراضي اللبنانية.
وفي بلدة فرون، وهي ثاني “منطقة تجريبية” زارها فريق “Middle East Eye”،ووجد مشهدًا مشابهًا من الدمار، مع تدمير أجزاء واسعة من المنازل والبنية التحتية جراء القصف الإسرائيلي.
وكانت البلدة تبعد نحو 10 كيلومترات فقط عن زوطر الغربية، لكن الطريق التي كانت تربط بينهما دُمّرت جراء الغارات الإسرائيلية، وأصبح الوصول بين البلدتين يتطلب أكثر من ساعة عبر طريق بديلة.
ونقل التقرير عن عاصم جعفر، أحد سكان فرون، قوله إن وقف إطلاق النار غير موجود عمليًا، وإن السكان لا يستطيعون العودة إلى حياتهم الطبيعية.
وفي المقابل، لم يجد التقرير مؤشرات على أن فرون احتُلّت فعليًا من قبل الجيش الإسرائيلي، أو على وجود بري إسرائيلي مستمر فيها.
وقال ماير إن البلدات المصنفة “مناطق تجريبية” لم يحتلها الجيش الإسرائيلي، معتبرًا أن الحكومة اللبنانية تعرضت لضغوط أميركية لقبول رؤية الرئيس دونالد ترامب لـ”شرق أوسط جديد”، مقابل قبول التفاوض مع إسرائيل والمناطق التجريبية، التي قال إنها تعزز تآكل سيادة لبنان.
وقال أبو علي، أحد سكان فرون، إنه عاد مؤخرًا للبدء بإعادة بناء منزله، مؤكدًا أن الجيش الإسرائيلي لم يدخل فرون أو صريفا.
وأشار إلى أن الجيش اللبناني لم يكن موجودًا في البلدة سابقًا، وأنه وصل مؤخرًا لإقامة بعض نقاط التفتيش.
وبحسب ما رصده التقرير، لم يكن هناك وجود للجيش اللبناني داخل فرون نفسها، بل في المناطق المحيطة، فيما كانت نقطة التفتيش عند مدخل البلدة تابعة لـ”حزب الله” وليس للجيش اللبناني.
ووصف أبو علي الاتفاق الإطاري الموقّع في حزيران 2026 بأنه “خطأ فادح”، وقال إن سكان جنوب لبنان لا يقبلون التفاوض مع الحكومة الإسرائيلية.
وخلص التقرير إلى أن الواقع الميداني في زوطر الغربية وفرون يُظهر فجوة واضحة بين ما يفترضه الاتفاق الإطاري وبين ما يحدث فعليًا.
فقد دمرت القوات الإسرائيلية أجزاء واسعة من البلدتين، لكن لم تكن هناك أدلة كبيرة على وجود بري إسرائيلي مستمر، وهو ما يجعل صيغة “المناطق التجريبية” موضع تساؤل، خصوصًا أن الاتفاق يفترض انسحابًا إسرائيليًا وتسليم السيطرة إلى الجيش اللبناني.
وفي حالة فرون، لم يكن هناك أصلًا وجود مستمر للجيش اللبناني داخل البلدة لتسلّم السيطرة.
وبالتوازي، تزامنت “الانسحابات” من هذه المناطق مع استمرار النشاط العسكري الإسرائيلي في مناطق أخرى من جنوب لبنان، بينها بلدة حداثا.
وبحسب التقرير، فإن الأراضي التي يُفترض أن إسرائيل تخلت عنها في موقع ما تتزامن مع استمرار أو توسع عملياتها في مواقع أخرى، ما يبقي حجم الوجود الإسرائيلي في جنوب لبنان، الذي يشكل نحو خُمس مساحة لبنان، إلى حد كبير من دون تغيير.












اترك ردك