وبمثال بسيط، فموظف يقطع يومياً نحو 40 كيلومتراً ذهاباً وإياباً بين منزله ومكان عمله. قبل أشهر قليلة، كانت هذه الرحلة اليومية تكلفه ما يقارب 180 دولاراً شهرياً. اليوم، ومع الارتفاع المتتالي لأسعار المحروقات، قفزت الفاتورة إلى نحو 330 دولاراً في الشهر، أي زيادة صافية تناهز 150 دولاراً، تُقتطع مباشرة من راتب لم يتغير في المقابل بالقدر نفسه.
الرقم يبدو أكثر قسوة حين نضعه أمام الحد الأدنى الرسمي للأجور في لبنان، والمحدد بـ350 دولاراً شهرياً. فموظف على هذا الراتب، إن كان مضطراً لقطع هذه المسافة يومياً، يجد نفسه منفقاً على المحروقات وحدها ما يقارب راتبه الشهري بالكامل تقريباً، قبل أن يفكر أصلاً بفاتورة الكهرباء، أو بدل الاشتراك بمولد الحي، أو شراء الخبز واللحوم والخضار، أو حتى بدل الإيجار إن كان لا يملك منزله.
المشكلة تتضاعف في الأسر التي تعتمد على أكثر من سيارة، كأن يذهب الأب إلى عمله بسيارة، وتذهب الأم إلى عملها أو ترافق الأولاد إلى المدرسة بسيارة ثانية. هنا لا يعود الحديث عن زيادة قدرها 150 دولاراً، بل عن عبء مضاعف يقترب أحياناً من 300 دولار إضافية شهرياً، وهو رقم يفوق بمفرده الحد الأدنى للأجور بالكامل.
ولا يعالج بدل النقل المشكلة بالكامل. فالبدل اليومي المعمول به في القطاع الخاص يبلغ 450 ألف ليرة؛ وإذا تقاضاه العامل عن 22 يوم حضور، يصل إلى 9.9 ملايين ليرة، أو نحو 111 دولاراً.
هذا المبلغ يغطي بالكاد بنزين سيارة اقتصادية، لكنه يقل بنحو 21 دولاراً عن فاتورة سيارة تستهلك 10 ليترات لكل 100 كيلومتر، وبنحو 47 دولاراً عن سيارة تستهلك 12 ليتراً، من دون أن يشمل أي كلفة أخرى مرتبطة بالسيارة.
ولا يقف أثر المحروقات عند التنقل. فبيانات إدارة الإحصاء المركزي أظهرت أن أسعار فئة النقل ارتفعت 29.36% على أساس سنوي في حزيران 2026، مقابل تضخم عام بلغ 17.25%. كما انتقل صعود المازوت إلى فاتورة المولدات الخاصة؛ إذ ارتفعت تعرفة الكيلوواط ساعة من 40,746 ليرة في تموز إلى 48,241 ليرة في آب، أي بنسبة 18.4%.
وبحسب التعرفة الرسمية للمناطق الواقعة تحت ارتفاع 700 متر، تبلغ المقطوعية الثابتة لاشتراك 5 أمبير 385 ألف ليرة. وعلى سبيل الحساب، تصل فاتورة من يستهلك بين 150 و250 كيلوواط ساعة إلى ما بين 85 و 139 دولاراً، مع اختلاف الفاتورة الفعلية بحسب المنطقة والقدرة والاستهلاك.
وتظهر قسوة المعادلة أكثر عند جمع الحاجات الأساسية. فقد بلغت كلفة سلة الغذاء الدنيا للبقاء في آذار 2026 نحو 43.5 دولاراً للفرد شهرياً، أي 174 دولاراً لأسرة من أربعة أشخاص.
النتيجة المنطقية لهذا الواقع هي ما بدأنا نلاحظه فعلياً في الشارع اللبناني: عائلات تعيد جدولة تنقلاتها بالكامل، فتُلغى الرحلات “غير الضرورية”، وتُدمج المشاوير في رحلة واحدة بدل رحلتين أو ثلاث، ويُستبدل استخدام السيارة الخاصة بوسائل نقل مشتركة كلما أمكن ذلك، ليس بدافع الوعي البيئي، بل بدافع البقاء المالي البحت.
السؤال الحقيقي: كم تبقّى من الراتب؟
في ما يتعلق بأسرة يعيلها موظف واحد بالحد الأدنى، يصبح مجموع الراتب الأساسي وبدل النقل الكامل عن 22 يوماً نحو 423 دولاراً. وبعد حسم 132 دولاراً لبنزين سيارة متوسطة الاستهلاك و174 دولاراً للحد الأدنى من الغذاء، لا يبقى سوى نحو 117 دولاراً للسكن والكهرباء والمياه والدواء والتعليم والاتصالات، وفاتورة مولد ضمن نطاق المثال السابق قد تستهلك وحدها معظم هذا المبلغ.
وترتبط القفزة الحالية بعاملين داخلي وخارجي معاً. فلبنان يستورد البنزين والمازوت المكررين، وتتأثر كلفتهما بأسعار المنتجات الجاهزة والشحن والتأمين ومخاطر الحرب. وفي 11 أيلول، اقترب سعر خام برنت من 110 دولارات للبرميل وسط اضطراب الإمدادات في الخليج، فيما ارتفعت أسعار المشتقات المكررة بصورة أشد.
الأزمة هنا لا تُختصر بسعر صفيحة بنزين ارتفع أو انخفض بضع مئات آلاف الليرات. السؤال الأدق الذي يجب طرحه اليوم هو: بعد خصم كلفة الوصول إلى العمل، وفاتورة الكهرباء والمولد، وثمن الحاجيات الغذائية الأساسية، وبدل السكن إن وجد، كم يتبقى فعلياً من راتب اللبناني؟ وفي حالات كثيرة، وخصوصاً لأصحاب الحد الأدنى للأجور أو من يقاربونه، يكون الجواب البسيط: لا شيء تقريباً، أو عجز فعلي يُغطى بالاستدانة أو بتقليص أساسي في نوعية الغذاء والاستهلاك.
وترتفع حدة المشكلة أكثر حين نأخذ بعين الاعتبار أن أسعار المحروقات في لبنان ترتبط مباشرة بسعرين خارجين كلياً عن يد المواطن العادي: سعر برميل النفط عالمياً، الذي بقي فوق 100 دولار وسط توترات إقليمية متصاعدة، وسعر صرف الدولار مقابل الليرة. وعملياً، فإن أي ارتفاع في أي من هذين العاملين ينتقل تلقائياً وفورياً إلى جيب المواطن، من دون أي آلية حماية اجتماعية أو تعويض تلقائي يوازن الأثر، كما هو معمول به في دول أخرى تربط الدعم الاجتماعي بمؤشرات المحروقات أو التضخم.
في النهاية، فاتورة البنزين ليست مجرد رقم اقتصادي جامد يظهر في الجداول اليومية لنقابة أصحاب محطات المحروقات. إنها المؤشر الأكثر واقعية على قدرة اللبناني على الاستمرار في حياته اليومية البسيطة: الذهاب إلى العمل، إيصال أولاده إلى المدرسة، وتأمين حاجياته الأساسية. وطالما بقي الحد الأدنى للأجور جامداً في وقت تتحرك فيه أسعار المحروقات صعوداً بلا سقف واضح، سيبقى السؤال الأهم مطروحاً كل شهر من جديد: كم تبقّى فعلياً من راتب اللبناني بعد أن يدفع ثمن وصوله إلى مكان عمله؟











اترك ردك