وبحسب التقييم، اعتمد الاقتصاد السوري لعقود على القطاع المصرفي اللبناني، ما جعل الأزمة التي انفجرت في لبنان عام 2019 تمتد تداعياتها إلى سوريا، مع تجميد أموال وانكشاف مصارف سورية على النظام المالي اللبناني.
ويأتي البحث في هذا الملف بالتزامن مع تحسن العلاقات بين البلدين. ففي 9 أيار 2026، التقى رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام الرئيس السوري أحمد الشرع في دمشق، وأُعلن إطلاق مجلس أعمال مشترك وتشكيل لجان فنية.
وفي 23 أيلول، أعلن وزير الاقتصاد اللبناني عامر البساط بدء مراجعة أكثر من 40 اتفاقاً وبروتوكولاً بين البلدين، بعد إنشاء اللجنة العليا اللبنانية-السورية المشتركة.
وأشار التقييم إلى أن لبنان أدّى تاريخياً دور الوسيط المالي للاقتصاد السوري، وتعزز هذا الدور بعد عام 2011 والعقوبات الدولية على سوريا، قبل أن يتحول الترابط بين القطاعين إلى مصدر أزمة بعد الانهيار المالي اللبناني.
لكن المعادلة بدأت تتغير بعد سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024، مع رفع الاتحاد الأوروبي عقوباته الاقتصادية عن سوريا في أيار 2025 وإنهاء الولايات المتحدة برنامج العقوبات الشامل في حزيران من العام نفسه، ما قد يؤدي تدريجياً إلى تراجع اعتماد دمشق على مرفأ بيروت والمصارف اللبنانية.
وفي هذا السياق، أبرمت سوريا اتفاقاً مع شركة “CMA CGM” لتشغيل مرفأين جافين في عدرا وحلب، كما أطلقت رحلة تجريبية لقطار شحن بين مرفأي اللاذقية وعدرا بعد توقف دام 14 عاماً. في المقابل، أعلن لبنان في أيار 2026 مناقصة لتحديث خط السكك الحديد بين طرابلس والعبودية عند الحدود السورية.
ويكشف التقييم حجم الترابط المصرفي بين البلدين، إذ كانت ستة مصارف تابعة لمصارف لبنانية أو مرتبطة بها تعمل في سوريا بحلول عام 2012، وتمتلك نحو 114 فرعاً، أي أكثر من خُمس شبكة الفروع المصرفية في البلاد.
ومع اندلاع الأزمة اللبنانية عام 2019، تحوّل هذا الارتباط إلى عبء. وفي أيلول 2025، ألزم مصرف سوريا المركزي المصارف التجارية بالاعتراف الكامل بانكشافاتها على النظام المالي اللبناني وتكوين مؤونات لتغطيتها.
وبحسب تصريحات حاكم مصرف سوريا المركزي آنذاك، تجاوزت انكشافات المصارف التجارية السورية على لبنان 1.6 مليار دولار، في مقابل ودائع إجمالية للمصارف التجارية الأربعة عشر قدّرتها “رويترز” بنحو 4.9 مليارات دولار.
ويوضح التقييم أن ذلك لا يعني أن ثلث الودائع السورية موجود في لبنان، بل يعكس حجم العبء الذي تتحمله ميزانيات المصارف المتأثرة.
أما حجم الودائع السورية العالقة في المصارف اللبنانية، فلا توجد بيانات رسمية تحسمه. وتتراوح التقديرات بصورة كبيرة، إذ يضعها الرئيس السابق للجنة الرقابة على المصارف سمير حمود عند نحو 3 مليارات دولار حداً أقصى، فيما تقدرها مصادر مصرفية لبنانية بما بين 8 و10 مليارات دولار.
في المقابل، سبق أن طرحت مصادر في النظام السوري السابق أرقاماً تراوحت بين 20 و42 مليار دولار عام 2020، ثم بين 40 و60 مليار دولار عام 2021، من دون الاستناد إلى بيانات مصرفية منشورة يمكن التحقق منها.
ويرى التقييم أن إعادة بناء العلاقة المالية بين لبنان وسوريا تواجه تحديات عدة، أبرزها إعادة رسملة المصارف السورية المرتبطة بلبنان، وتحديد قواعد انفتاح القطاع المصرفي السوري وشروط الترخيص والملكية والامتثال، إضافة إلى المنافسة المحتملة من مصارف خليجية أكثر رسملة.
في المقابل، يمكن للبنان الاستفادة من خبراته المصرفية والتقنية للمساهمة في إعادة بناء القطاع المالي السوري، خصوصاً في مجالات الامتثال وإدارة المخاطر وأنظمة الدفع والتمويل التجاري.
وبرز مؤشر على ذلك في 26 آب 2026، مع اختبار أول عملية دفع دولية عبر شبكة “فيزا” في سوريا، بالتعاون مع فرنسبنك لبنان بصفته المصرف المسؤول عن تسوية مدفوعات التجار وشركة “بايميرا”.
ويخلص التقييم إلى أن ملف الودائع السورية لا يمكن فصله عن أزمة الودائع الشاملة في لبنان، باعتبار أن المودعين السوريين جزء من قاعدة أوسع من المودعين اللبنانيين وغير اللبنانيين.
كذلك، يُشدد على أن التقارب السياسي بين لبنان وسوريا، رغم أهميته، لا يكفي وحده لبناء علاقة مالية جديدة، ما لم تُعالج آثار أزمة 2019 وتُستعد الثقة بالقطاعين المصرفيين، ضمن أطر مؤسسية واضحة تضمن علاقة أكثر استقراراً وتوازناً بين البلدين.










اترك ردك