عون الى واشنطن… زيارة على وقع الانقسامات ومخاوف من أثمان جديدة!

تأتي زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى واشنطن بعد مسار طويل من الضغوط والمفاوضات والقرارات التي وضعت لبنان أمام تحولات لم تكن مطروحة بهذه السرعة قبل أشهر قليلة. وبين من يرى في دخول الرئيس اللبناني إلى البيت الأبيض فرصة لإعادة لبنان إلى دائرة الاهتمام الأميركي، ومن ينظر إلى الزيارة بعين الريبة انطلاقاً من المسار الذي سبقها، يبقى السؤال الأهم: بأي ثمن وصل لبنان إلى واشنطن، وما الأثمان الإضافية التي قد تترتب على هذه الزيارة؟


قبيل موعد الزيارة، يتسع النقاش في الداخل اللبناني حول ما يمكن أن تحمله معها، وسط انقسام واضح في النظرة إلى نتائجها المرتقبة. ففيما تراهن قوى سياسية على أن تشكل محطة لتعزيز موقع الدولة وانتزاع خطوات أميركية في الملفات العالقة مع إسرائيل، تنظر إليها قوى أخرى بحذر، خشية أن تكون استكمالاً للمسار الذي بدأ في الأشهر الماضية وأن ترفع واشنطن خلالها سقف مطالبها من لبنان، لا سيما أن المفاوضات المباشرة التي سبقت الزيارة زادت من حجم الهواجس، وصولاً إلى تداول مخاوف من احتمال أن يمهّد هذا المسار للقاء بين عون ورئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، وهي هواجس غير مستندة حتى الآن إلى أي مؤشرات واضحة، وتم نفيها رسميا، لكنها تعكس حجم القلق الذي يحيط بما يمكن أن تحمله زيارة واشنطن وما قد يليها.

من حيث المبدأ، لا تبدي أوساط في “حزب الله” اعتراضاً على لقاء عون بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، إذ تعتبر أن من حق رئيس الجمهورية التواصل مع قادة الدول وتوظيف علاقات لبنان الخارجية بما يخدم مصالحه. إلا أن التحفظ، وفق الأوساط، يبدأ من مضمون اللقاء وما قد ينتج عنه، وتحديداً من قدرة لبنان على التمسك بسيادته وحقوقه، في ظل خشية من أن تتحول الزيارة إلى محطة تُضاف بعدها التزامات جديدة إلى ما سبق أن تعهد به لبنان خلال الأشهر الماضية.

وتربط الأوساط مخاوفها بالمسار الذي سبق الزيارة، معتبرة أن لبنان قدّم خلال الأشهر الماضية سلسلة من التنازلات تحت وطأة الضغط الأميركي، بدءاً من ورقة توم براك التي ترى أنها أطاحت عملياً باتفاق وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024 مروراً بقراري الحكومة في الخامس والسابع من آب الفائت ثم الانتقال إلى المفاوضات المباشرة وصولاً إلى اتفاق الإطار.
وبحسب المصادر، فإن هذا المسار يطرح تساؤلات جدية حول ما إذا كانت الدعوة إلى البيت الأبيض قد جاءت بعد أن دفع لبنان ثمنها مسبقاً، فيما يتركز القلق اليوم على ما يمكن أن تطلبه واشنطن من بيروت بعد الزيارة، وما إذا كانت التنازلات التي قُدّمت حتى الآن مجرد بداية لمسار أكثر كلفة.

وترى الأوساط أن الاهتمام الأميركي بلبنان لا يمكن فصله عن موقعه في الصراع مع إسرائيل، فواشنطن لم تنظر يوماً إلى الملف اللبناني من زاوية الدفاع عن حقوق لبنان بقدر ما تعاملت معه وفق حساباتها ومصالحها في المنطقة. وتضيف، بأنه لولا وجود المقاومة وما فرضته من معادلات وقدرتها على التأثير في مسار المواجهة، لما كان لبنان حاضراً بهذا الثقل في الحسابات الأميركية، إذ إن الاهتمام بما يجري على أرضه يرتبط، في جوهره، بحسابات أمن إسرائيل ومسار الصراع معها.

وعليه، ترى الأوساط أن ما قد ينتزعه لبنان في المرحلة المقبلة لا يمكن تقديمه بوصفه مكسباً حصل عليه مقابل التنازلات التي سبق أن قدّمها، فالانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية ووقف الاعتداءات وإعادة الأسرى وفتح الطريق أمام إعادة الإعمار، كلها حقوق لبنانية يفترض أن تشكل أساس أي تفاوض، وألا تكون مشروطة بتقديم تنازلات جديدة أو القبول بالتزامات سياسية أو أمنية إضافية.

في المقابل، ترى المصادر أن ما حصل عليه لبنان حتى الآن لا يرقى إلى مستوى الحقوق التي يفترض أن تشكل أساس أي تفاوض، إذ انتهى المسار إلى ما بات يُعرف بـ«المناطق التجريبية»، وإلى وضع الجيش في اختبار ميداني أمام العدو الإسرائيلي وتحت مراقبة القيادة المركزية الأميركية. ومن هنا، ترفض المصادر تقديم هذه النتائج بوصفها إنجازات حققها لبنان، معتبرة أن المشكلة لم تعد تقتصر على حجم التنازلات المقدمة، بل وصلت إلى حد إعادة تعريف الخسائر نفسها، بحيث بات ما كان يُعدّ سابقاً تراجعاً عن الحقوق اللبنانية يُسوّق اليوم بوصفه مكسباً تحقق بفعل التفاوض.

وتقول المصادر إن “الحزب” يتعامل مع المرحلة بهدوء، واضعاً حسابات المصلحة الوطنية فوق أي رد فعل سياسي آني، ولا يتجه إلى بناء موقف مسبق من زيارة رئيس الجمهورية قبل اتضاح ما ستحمله من نتائج. فالمسألة بالنسبة إليه لا تتصل بالزيارة نفسها، بقدر ما ترتبط بما سيعود به عون من واشنطن، وما إذا كان سيتمكن من تثبيت حقوق لبنان ومنع فرض مزيد من الالتزامات السياسية والأمنية عليه. ومن هذا المنطلق، يراقب “الحزب” المسار من زاوية أوسع تتصل بما يجري في المنطقة وموازين القوى التي تحكم الصراع، وليس باعتبار الزيارة حدثاً منفصلاً يمكن التعامل معه برد فعل سياسي سريع.

وتشير المصادر نفسها إلى أن القلق الأساسي يتصل بالمسار السياسي الذي تسلكه البلاد وبما يمكن أن يحمله من مخاطر تتجاوز حدود الخلاف السياسي التقليدي، وصولاً إلى تهديد موقع لبنان وقدرته على حماية قراره وسيادته. ومن هذا المنطلق، ترى أن مواجهة أي مسار من شأنه المساس بهذه الحقوق لا يمكن أن تبقى مسؤولية “حزب الله” أو تُختصر ببيئة سياسية أو طائفية بعينها، بل تستدعي توسيع دائرة الاعتراض وطنياً، لتشمل مختلف القوى والشخصيات الرافضة لأن تتحول الضغوط الخارجية إلى مسار دائم لانتزاع التنازلات من لبنان.

وتنطلق المصادر في دعوتها إلى توسيع دائرة الاعتراض من اعتبار أن لبنان لا يواجه استحقاقاً داخلياً منفصلاً عما يجري حوله، بل يتحرك في قلب صراع إقليمي مفتوح تتداخل فيه الملفات والساحات وموازين القوى. ومن هنا، ترى أن إدارة المرحلة تقتضي الحفاظ على عناصر القوة التي يمتلكها لبنان والاستفادة منها في مواجهة الخلل الكبير في ميزان القوى مع إسرائيل، بدلاً من التخلي عنها من دون ضمانات فعلية تحفظ حقوقه. وفي هذا السياق، تعتبر المصادر أن القوى الداخلية التي ربطت خياراتها بالكامل بالمشروع الأميركي تراهن بدورها على قدرته على فرض شروطه في المنطقة، وبالتالي فإن تراجع هذا المشروع أو فشله سينعكس حكماً على موقع هذه القوى والدور الذي تؤديه في الداخل اللبناني.

وعلى هذا الأساس، تربط المصادر موقف “حزب الله” النهائي من الزيارة بالنتائج التي سيعود بها رئيس الجمهورية من واشنطن، معتبرة أن نجاحها يُقاس بمدى قدرته على تثبيت حقوق لبنان وانتزاع التزامات واضحة بوقف الاعتداءات الإسرائيلية والانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية وإعادة الأسرى، إلى جانب فتح الطريق أمام إعادة الإعمار، من دون أن يكون ثمن ذلك تقديم مزيد من التنازلات أو القبول بشروط جديدة على لبنان.

وفي المحصلة، تؤكد الأوساط أن “حزب الله” لا يعتبر نفسه معنياً بالمسار التفاوضي القائم منذ انطلاقه، بعدما جرى التعامل مع ملفات بهذه الحساسية من دون مراعاة وحدة القرار داخل الدولة أو بناء موقف وطني موحد حولها. وعليه، لا يضع “الحزب” نفسه في موقع المعترض على زيارة رئيس الجمهورية إلى واشنطن بحد ذاتها، لكنه يرفض أن يكون شريكاً في مسار لم يشارك في رسمه ولا في القرارات التي اتُخذت خلاله، ويرى في ما جرى حتى الآن تنازلاً كبيراً عن موقع لبنان وحقوقه، وعن مفهوم السيادة الذي يفترض أن يقوم أولاً على حماية القرار الوطني من الضغوط والإملاءات الخارجية في بلد بات أحوج من أي وقت مضى إلى استعادة وحدة قراره الداخلي قبل أن يُطلب منه اتخاذ قرارات ترسم مستقبله من الخارج.