فاللبناني الذي يدفع فاتورة كهرباء الدولة، يجد نفسه مضطراً في الوقت نفسه إلى تأمين اشتراك بالمولد الخاص، في معادلة استنزاف مستمرة لا تقتصر تداعياتها على المنازل، بل تمتد إلى المؤسسات التجارية والصناعية والمطاعم والمتاجر، لترفع كلفة الإنتاج والخدمات وتنعكس في نهاية المطاف على أسعار السلع وحياة المواطنين.
المازوت يرفع الفاتورة… والمواطن يدفع الثمن
يرتبط الجزء الأكبر من كلفة تشغيل المولدات الخاصة بسعر المازوت، ما يجعل أي ارتفاع في أسعار المحروقات ينعكس بصورة مباشرة على الفاتورة الشهرية للمشتركين. ومع الارتفاعات الأخيرة التي شهدتها أسعار الطاقة، عاد شبح الفواتير المرتفعة ليخيّم على اللبنانيين، وسط مخاوف من أن تتحول كلفة الكهرباء الخاصة إلى بند يلتهم جزءاً كبيراً من مداخيل الأسر.
وتشير المعطيات إلى أن أزمة المحروقات لا تتوقف عند كلفة تعبئة السيارات، بل تتسلل إلى كل تفاصيل الحياة اليومية، بدءاً من اشتراكات المولدات وصولاً إلى أسعار السلع والخدمات التي ترتفع كلفة تشغيلها مع ارتفاع أسعار الطاقة.
وفي تموز الماضي، كانت وزارة الطاقة والمياه قد حددت التعرفة الرسمية للمولدات الخاصة بـ40,746 ليرة لبنانية عن كل كيلوواط ساعة في المدن والتجمعات المكتظة، و44,821 ليرة في القرى والمناطق المتباعدة أو المرتفعة، إضافة إلى الرسوم المقطوعة بحسب قدرة الاشتراك.
لكن المشكلة، بحسب شكاوى متكررة من المواطنين، لا تتعلق فقط بالتعرفة الرسمية، بل أيضاً بمدى الالتزام بها وآلية احتساب الفواتير، في ظل تفاوت كبير بين منطقة وأخرى ووجود مخالفات تتجاوز أحياناً السقف المحدد.
ولم تعد فاتورة المولد بالنسبة إلى كثير من العائلات مجرد كلفة إضافية يمكن التحكم بها. ففي بعض المناطق، باتت قيمة الاشتراك توازي جزءاً كبيراً من إيجار المنزل، فيما سجلت فواتير خلال الأشهر الماضية مستويات مرتفعة جداً، وصلت في بعض الحالات إلى مئات الدولارات شهرياً، وفق تقارير صحافية تناولت واقع القطاع والمخالفات المرتبطة به.
وهنا تكمن المفارقة القاسية: فالمولدات الخاصة التي نشأت أساساً كحل مؤقت لتعويض عجز الدولة عن تأمين الكهرباء، تحولت مع مرور السنوات إلى جزء ثابت من الحياة الاقتصادية والمعيشية في لبنان، بينما لا يزال المواطن يتحمل كلفة هذا العجز شهراً بعد شهر.
وبالنسبة إلى عائلة متوسطة الدخل، فإن ارتفاع فاتورة الكهرباء لا يأتي منفصلاً عن بقية الأعباء. فالإيجار أو القرض، الأقساط المدرسية، الغذاء، النقل، الطبابة والاتصالات، كلها بنود تتنافس على دخل لم يعد يواكب ارتفاع كلفة المعيشة. وعندما ترتفع فاتورة المولد، تكون النتيجة غالباً التخلي عن حاجات أخرى أو تقليص الاستهلاك إلى الحد الأدنى.
ويأتي ارتفاع كلفة الكهرباء في فترة الصيف ليضاعف الضغوط، إذ يرتفع الاستهلاك مع استخدام المكيفات والمراوح والأجهزة الكهربائية، فيما يحتاج كثيرون إلى ساعات إضافية من التغذية لتأمين الحد الأدنى من الراحة في ظل ارتفاع درجات الحرارة.
ويعني ذلك أن الفاتورة قد ترتفع نتيجة عاملين في آن واحد: زيادة سعر الكيلوواط ساعة من جهة، وارتفاع حجم الاستهلاك من جهة أخرى. وهذه المعادلة تجعل الأسر ذات الدخل المحدود الأكثر تأثراً، خصوصاً تلك التي لا تملك بديلاً كأنظمة الطاقة الشمسية أو القدرة على تخفيض اعتمادها على المولد.
المولدات الخاصة… قطاع فرضه غياب الدولة
الواقع أن أزمة فواتير المولدات ليست أزمة تسعيرة فقط، بل هي نتيجة مباشرة لأزمة أعمق تتمثل في عجز قطاع الكهرباء الرسمي عن تأمين تغذية مستقرة وكافية. فكل ساعة تقنين تتحول عملياً إلى فرصة إضافية لزيادة الاعتماد على المولدات الخاصة، وكل ارتفاع في أسعار المحروقات ينتقل تلقائياً إلى جيوب المشتركين.
وتؤكد التطورات في قطاع الطاقة أن لبنان يعتمد بشكل كبير على استيراد المشتقات النفطية، ما يجعله عرضة للتقلبات في أسعار النفط والأسواق الإقليمية والدولية، ويحوّل أي اضطراب خارجي إلى ضغط مباشر على كلفة الكهرباء والنقل والمعيشة.
وبذلك، يجد المواطن نفسه في نهاية سلسلة طويلة من الأزمات: ارتفاع عالمي في أسعار الطاقة، كلفة استيراد، تسعيرة محلية، ثم فاتورة شهرية لا يملك في كثير من الأحيان خياراً سوى دفعها.
من يراقب الفواتير؟
مع كل ارتفاع في أسعار المولدات، تتجدد المطالب بتشديد الرقابة على أصحاب المولدات وضمان الالتزام بالتسعيرة الرسمية وتركيب العدادات واحتساب الاستهلاك بدقة. فالوزارة تحدد سقفاً للتعرفة استناداً إلى مجموعة من العناصر والكلف، لكن التحدي الحقيقي يبقى في التطبيق على الأرض.
وقد سلطت تقارير محلية الضوء على مخالفات في بعض المناطق وتفاوت في الأسعار، في وقت تبقى فيه قدرة الأجهزة الرقابية محدودة أمام انتشار قطاع المولدات وتعقيداته.
ويطالب مواطنون بأن تكون آلية احتساب الفواتير أكثر وضوحاً، وأن يحصل المشترك على كشف مفهوم يحدد الاستهلاك والكلفة والرسوم المضافة، بعيداً من أي التباس أو مبالغات قد تفتح الباب أمام استغلال غياب الرقابة الفعالة.
في ظل هذا الواقع، يحاول البعض اللجوء إلى الطاقة الشمسية لتخفيف الاعتماد على المولدات، إلا أن كلفة تركيب الأنظمة تبقى عائقاً أمام عدد كبير من الأسر، رغم أن الطاقة الشمسية يمكن أن توفر على المدى الطويل بديلاً أقل كلفة من الاعتماد الدائم على المولدات الخاصة.
أما من لا يملك القدرة على الاستثمار في البدائل، فيبقى أمام خيارات محدودة: تخفيف الاستهلاك، تقليص ساعات استخدام الأجهزة الكهربائية، أو دفع فاتورة مرتفعة باعتبارها جزءاً من كلفة الحياة اليومية.
في النهاية، لا تبدو أزمة ارتفاع فواتير المولدات مشكلة شهر عابر أو نتيجة ظرف مؤقت في أسعار المحروقات، بل هي انعكاس مباشر لخلل مزمن في قطاع الكهرباء اللبناني. فطالما بقيت التغذية الرسمية غير كافية، سيبقى المولد الخاص بديلاً إلزامياً، وطالما بقي لبنان رهينة تقلبات أسعار الطاقة المستوردة، ستبقى فاتورة الكهرباء عرضة للصعود والهبوط.
وبين فاتورة الدولة واشتراك المولد، يجد اللبناني نفسه أمام استحقاق شهري لا يمكن تأجيله. ومع كل ارتفاع جديد في كلفة المازوت، يعود السؤال نفسه إلى الواجهة: هل يصبح تأمين الكهرباء في لبنان حقاً أساسياً بكلفة مقبولة، أم يستمر المواطن في دفع ثمن عجز قطاع كامل من جيبه؟
فاليوم، لم تعد أزمة الكهرباء تُقاس بعدد ساعات التقنين فقط، بل بعدد الليرات والدولارات التي تختفي من دخل اللبناني عند نهاية كل شهر… تحت عنوان واحد: فاتورة المولد.











اترك ردك