في بيانه، يحدّد الشيخ قاسم مطالب واضحة، من الانسحاب وانتشار الجيش إلى الحوار ضمن السيادة والدستور، لكنه يترك أسئلة مفتوحة حول الالتزامات التي يقبل بها الحزب لتحقيق التسوية، وموقع الدولة اللبنانية في صياغتها وتنفيذها. فما الذي يرفضه الحزب تحديدًا، وما الذي يطلبه من التفاهم الإيراني–الأميركي؟ وهل يستطيع الخفض الذي يتحدث عنه الشيخ نعيم قاسم أن يتحول إلى وقف للاعتداءات وانسحاب، ثم إلى تفاهم داخلي على المرحلة التالية؟
خلاف على شروط التسوية
حين يصف الأمين العام لـ”حزب الله” اتفاق الإطار بأنه “بحكم معدوم الوجود”، فهو يقدم موقفا سياسيا يستند إلى اعتراضات دستورية وقانونية يعلنها الحزب. ويتجاوز أثر هذا الموقف الاعتراض على بند قابل للتعديل، إذ يطال صلاحية الاتفاق نفسه ليكون أساسًا للتنفيذ. ويأتي هذا الموقف في مقابل موقف الدولة الذي يعبّر عنه رئيسا الجمهورية والحكومة، اللذان يعتبران الاتفاق الطريق الوحيد لإنهاء الحرب والانسحاب وإطلاق الأسرى وإعادة الإعمار.
بذلك، تواجه الدولة خلافا مع الحزب على الأداة التي تستخدمها لتحقيق أهداف يتقاطع الطرفان على عدد منها، فيما تتباعد تقديراتهما لما تفرضه تلك الأداة من التزامات. مع ذلك، تكتسب العودة إلى اتفاق 2024 أهمية خاصة لأن النص الذي يتمسك به الحزب يتضمن بدوره التزامات تتعلق بالسلاح. فمقدمته تحيل إلى نزع سلاح الجماعات المسلحة وحصر حمله بالقوى الرسمية، كما ينص البند الثاني عشر على انسحاب إسرائيلي تدريجي بالتوازي مع انتشار الجيش وتنفيذ التزاماته، ومنها تفكيك المواقع غير المرخص لها ومصادرة أسلحتها.
ماذا يطلب من التفاهم الإقليمي؟
في المقابل، يتعامل الأمين العام لـ”حزب الله” مع مذكرة التفاهم الإيرانية-الأميركية باعتبارها قد بدأت تنتج أثرًا، وينسب إليها تخفيض مستوى العدوان على لبنان، ويضعها إلى جانب صمود المقاومة بوصفها مصدر قوة متاحا. غير أنّ السؤال، وفق هذا الطرح، يتعلق بما يمكن أن تحققه المذكرة القائمة بعد الخفض الذي يتحدث عنه: هل تستطيع الدفع نحو وقف الاعتداءات والانسحاب؟
يستطيع الحزب أن يرى في قوة حليفه فرصة لتحسين الشروط، لكن اختبار هذا الرهان يبدأ عندما تصبح المكاسب قابلة للتثبيت والتنفيذ. وعندها، يبرز السؤال عن دور الدولة اللبنانية في صياغتها وقبولها، وعن قدرة الدعم الخارجي على خدمة قرارها من دون أن يحل مكانه. غير أنّ هذا الأمر يطرح أيضًا سؤال معيار السيادة في خطاب الحزب. فقاسم ينتقد ما يصفه بالوصاية الأميركية على بعض مفاصل الدولة، ويعوّل في الوقت نفسه على تفاهم تشارك فيه واشنطن، رغم أنّ المشاركة الأميركية وحدها لا تجعل الموقفين متناقضين، إذ إنّ الفارق يمكن أن يكون في الشروط والنتائج وحدود التدخل. ويبقى المعيار هنا مقدار ما يمنحه أي تفاهم للبنان من قدرة على تحديد التزاماته، ودور الدولة في قبولها وتنفيذها.
يقدم بيان قاسم، إذًا، أسباب رفض “حزب الله” للمسار القائم ورهانه على قوة إقليمية تساعد في تغييره، لكنه يترك تفاصيل التسوية المقبولة أقل وضوحا من حدود الرفض. وما يحتاج إليه لبنان هو معرفة كيف يلتقي الضغط الخارجي مع القرار الداخلي على نتيجة قابلة للتنفيذ: انسحاب، ووقف للاعتداءات، والتزامات واضحة تتولاها الدولة. فإذا أنتج التفاهم الإيراني-الأميركي فرصة لتحقيق ذلك، تصبح قيمة هذه الفرصة في تحويلها إلى اتفاق لبناني على ما يليها. أما الاكتفاء بتعليق المسار المحلي على مكاسب خارجية، فيترك الخلاف نفسه قائمًا حتى لو تحسنت الظروف المحيطة به.












اترك ردك