ووفق تقارير ميدانية نشرتها وكالة “رويترز” وصحيفة لوموند الفرنسية، أظهرت المعارك أن السيطرة بالنيران تختلف كثيراً عن السيطرة على الأرض، وأن التوغل البري بقي محفوفاً بعقبات فرضت على الجيش الإسرائيلي تعديل تكتيكاته خلال القتال.
وخلال العمليات، واجهت القوات الإسرائيلية صعوبة في التعامل مع شبكة واسعة من الأنفاق والتحصينات والمخابئ التي بناها “حزب الله” على مدى سنوات. ووفق تقارير وكالة أسوشيتد برس ومركز ألما الإسرائيلي للدراسات الأمنية، فإن عدداً من هذه المنشآت لم يُكتشف إلا بعد دخول القوات إلى القرى الحدودية، فيما تبيّن أن السيطرة على بلدة أو تلة لا تعني بالضرورة انتهاء التهديد، بسبب استمرار وجود مجموعات قتالية قادرة على التحرك عبر منشآت تحت الأرض أو تنفيذ هجمات مباغتة.
كذلك، برزت الصواريخ الموجهة المضادة للدروع كأحد أبرز التحديات أمام الوحدات البرية. وتشير دراسات صادرة عن مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية (CSIS) ومؤسسة RAND إلى أن هذا النوع من الصواريخ فرض قيوداً على حركة الدبابات والآليات العسكرية، وأجبر الجيش الإسرائيلي على زيادة اعتماده على الوحدات الهندسية ووسائل الاستطلاع قبل أي تقدم بري.
وفي المقابل، تؤكد خدمة أبحاث الكونغرس الأميركي (CRS) أن الطائرات المسيّرة أصبحت عنصراً أساسياً في المعركة، بعدما استُخدمت في الاستطلاع وتنفيذ هجمات مباشرة ضد القوات والمواقع العسكرية، الأمر الذي فرض تحديات إضافية أمام منظومات الدفاع الإسرائيلية.
ولم يقتصر الأمر على طبيعة السلاح المستخدم، بل شمل أيضاً جغرافية جنوب لبنان. فبحسب دراسات “RAND” وتقارير ميدانية نشرتها لوموند، وفّرت التلال والوديان والأحراج والقرى المتلاصقة بيئة مناسبة لحرب العصابات والكمائن والعبوات الناسفة، ما أبطأ تقدم القوات الإسرائيلية ودفعها إلى تكثيف القصف الجوي والمدفعي والاستعانة بالآليات الهندسية لتدمير الأنفاق والمباني قبل دخولها.
وفي موازاة ذلك، أظهرت المعارك أن الضربات الجوية، على كثافتها، لم تكن كافية للقضاء على جميع القدرات العسكرية للحزب. وتشير “رويترز” وتقارير خدمة أبحاث الكونغرس الأميركي إلى أن الهجمات الصاروخية والمسيّرات استمرت خلال مراحل مختلفة من الحرب، ما أعاد إلى الواجهة معضلة طالما واجهتها إسرائيل، وهي صعوبة تحويل التفوق الجوي إلى حسم ميداني سريع.
ورغم أن هذه الثغرات بدت واضحة خلال حرب 2026، فإن جذورها تعود إلى حرب تموز 2006. ووفق دراسات “RAND” و”CSIS”، كانت تلك الحرب أول اختبار واسع لقدرة “حزب الله” على الجمع بين التحصينات تحت الأرض، والانتشار اللامركزي، والصواريخ المضادة للدروع، وهي عوامل دفعت إسرائيل لاحقاً إلى تطوير عقيدتها القتالية، وتعزيز التنسيق بين القوات البرية والجوية، وتوسيع استخدام الطائرات المسيّرة ومنظومات الاستطلاع، إلى جانب تحديث وسائل حماية الدبابات.
لكن التجربة الأخيرة أظهرت، وفق تقديرات خبراء عسكريين في “CSIS” ومعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS)، أن هذه التعديلات، رغم أهميتها، لم تُلغِ طبيعة التحديات التي تفرضها الجبهة الجنوبية. فالمواجهة في جنوب لبنان لا تُحسم بالتفوق الناري وحده، بل تتأثر أيضاً بعوامل الجغرافيا، والتحصينات، والقدرة على المناورة، والانتشار المرن للمجموعات القتالية، وهي عناصر تجعل أي عملية برية أكثر تعقيداً وكلفة، حتى بالنسبة إلى جيش يُعد من الأكثر تطوراً في المنطقة.










اترك ردك