التقرير الذي ترجمهُ “لبنان24” يقول إنَّ الحزب اللبناني سعى إلى بناء شراكة في اليمن، ونجح في ذلك نجاحاً باهراً لدرجة أن الشريك الآن، أي جماعة الحوثي، يرسم مساره الخاص بينما يعاني “الحزب” من الضربات الإسرائيلية في لبنان.
ويكشف التقرير أنه في عام 2007، وفي أحد المطاعم على مشارف العاصمة السورية دمشق، كان رجلان يلتقيان بانتظام بمسؤول يمني رفيع المستوى، وأضاف: “كان المطعم واحداً من بين العديد من الأماكن في دمشق التي يمر بها رجال الأعمال والوسطاء والشخصيات السياسية اليمنية بسهولة نسبية. نظام التأشيرات في سوريا جعل المدينة سهلة الوصول إليها وسرية في آن واحد، إلا أن ما كان يُناقش هناك لم يكن أمراً عادياً”.
وأكمل: “كان أحد الرجلين، المعروف باسم أبو هادي، وهو عميل إيراني مرتبط بالحرس الثوري الإيراني، يعمل عن كثب مع حزب الله اللبناني. أما الآخر فكان خليل حرب، المعروف أيضاً باسم أبو مصطفى، وهو قائد بارز في حزب الله أشرف لاحقاً على تعاملاته في اليمن. في ذلك الوقت، كان الرجلان يدرسان الوضع السياسي في اليمن، وكان مسؤولو حزب الله يستغلون هذه الاجتماعات للتفكير في تولي دور أكبر في الطرف الجنوبي الاستراتيجي لشبه الجزيرة العربية”.
وتابع: “في هذه المرحلة، كان حزب الله قد أقام بالفعل اتصالات مع حركة الحوثيين في اليمن وبدأ بتقديم دعم محدود. أما ما كان يتشكل في دمشق فكان أكثر تعمداً، إذ كان هؤلاء العناصر يفكرون في كيفية توسيع نطاق تلك العلاقة الأولية وكيفية إعادة تشكيل جماعة محلية ظهرت على بعد أكثر من ألف ميل من معقل حزب الله، نيابةً عن راعيها – الجمهورية الإسلامية الإيرانية”.
ويضيف التقرير: “لقد وصف اليمنيون الذين حضروا هذه الاجتماعات لاحقاً كيف تحدث أبو هادي بصراحة عن الأهمية الاستراتيجية لليمن بالنسبة لإيران، ولا سيما موقعه على البحر الأحمر وقربه من السعودية. في المقابل، كان أبو مصطفى أكثر منهجية، إذ ركز على الناس مثل البنى القبلية، والفصائل السياسية، ومن يمكن التواصل معه”.
وأكمل: “بدأ الأمر عبر وسطاء مثل سلطان السماعي، وهو برلماني من الحزب الاشتراكي من تعز يتمتع بنفوذ سياسي وقبلي. ومن خلال شخصيات مثله – وغيرهم ممن يعملون عبر الانتماءات الحزبية والقبلية – وسّع حزب الله شبكته، وبنى علاقات لم تكن تعتمد كلياً على الحوثيين. وبحلول عام 2009، انتقلت جهود حزب الله من التخطيط إلى التنفيذ، فبدأ بإرسال مدربين ومستشارين إلى شمال اليمن. ووفقاً لمصادر أمنية يمنية، فقد ساعد مدربو حزب الله في زرع الألغام، وبناء مواقع دفاعية، وتكييف التكتيكات مع طبيعة الأرض. ومحلياً، كان يُطلق عليهم اسم زوار على طريق الجهاد، وهو مصطلح وصف وجودهم بأنه مؤقت وأيديولوجي في آنٍ واحد، حتى مع ازدياد رسوخه”.
ويقول التقرير إن علاقة “حزب الله” بالحوثيين تطورت من الدعم الاستشاري إلى شراكة أعمق شملت التدريب العسكري، وبناء الهياكل التنظيمية، والتأثير في القرار السياسي والإعلامي للحركة، موضحاً ان الحزب عزز حضوره في اليمن عبر شبكات سياسية وإعلامية، وساهم في تأسيس قناة “المسيرة” الموجودة في الضاحية الجنوبية لبيروت.
وبحسب التقرير، ازداد نفوذ الحزب بعد عام 2000، وأصبحت تجربته نموذجاً استلهمه الحوثيون، ولا سيما عبد الملك الحوثي. ومع سيطرة الحوثيين على صنعاء بين عامي 2014 و2015، بلغ نفوذ “حزب الله” في اليمن ذروته، لينتقل بعدها من مرحلة بناء القدرات إلى مواصلة الدعم العسكري والسياسي والإعلامي، بما في ذلك تطوير قدرات الحوثيين في مجال الصواريخ والطائرات المسيّرة.
وبحلول أوائل العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، أصبح الحوثيون الفاعل المحلي الأقوى في اليمن، وقد قلل هذا التوطيد من اعتمادهم على الدعم الخارجي، فيما بقي حزب الله ذا أهمية، لكنه لم يعد يحدد مسار الحوثيين، كما يقول التقرير الذي أضاف: “بحلول عام 2023، كان التحول واضحاً، فقد توسع الحوثيون خارج نطاق الصراع اليمني، مستهدفين السفن التجارية في البحر الأحمر، ومطلقين طائرات مسيرة وصواريخ باتجاه الأراضي الإسرائيلية. استندت هذه العمليات إلى قدرات طُوّرت على مدى العقد السابق، لكنها عكست حسابات الحوثيين الاستراتيجية الخاصة”.
وأكمل: “في الوقت نفسه، كان موقف حزب الله يتغير، فقد أدت العمليات الإسرائيلية المتواصلة إلى إضعاف قيادته وقدراته العملياتية، وشكّل اغتيال نصرالله عام 2024 نقطة تحول حاسمة، بينما كشفت عمليات إضافية عن نقاط ضعف في أنظمة حزب الله الداخلية، بما في ذلك اختراقات استخباراتية سمحت باستهداف دقيق لكبار القادة على جبهات متعددة”.
ويلفت التقرير إلى أن هذه الضغوط أدّت إلى تقييد قدرة حزب الله على العمل خارجياً بنفس النطاق، وأصبح وجوده في اليمن أكثر محدودية، حيث تم استدعاء عناصره وتقليص ظهوره.
ويقول التقرير أيضاً إنَّ البيئة الإقليمية تغيرت، فقد أدى انهيار نظام بشار الأسد في سوريا إلى إزالة ركن أساسي من شبكة حزب الله”، وتابع: “في هذا السياق، برز دور الحوثيين بشكلٍ أكبر، فقد حافظوا على سيطرتهم على الأراضي، ووسعوا نطاق نفوذهم، وواصلوا تطوير قدراتهم العسكرية، وأصبحوا أقل حاجةً إلى حزب الله مما كانوا عليه في السابق. لقد أصبحوا، ولا يزالون، يمثلون مشكلةً سواءً بوجود حزب الله أو بدونه. فعلياً، فقد ساهم الحزب في بناء شريكٍ يعمل الآن بزخمه الخاص”.
ويختم التقرير بالقول إن “العلاقة بين حزب الله والحوثيين ليست مجرد دعم بالوكالة، بل هي تعكس عملية بناء مستمرة – عسكرياً وسياسياً ومؤسسياً – أنتجت فاعلاً ذا توجه استراتيجي خاص به”، وأضاف: “بمرور الوقت، غيّرت تلك العملية طبيعة العلاقة نفسها، فما بدأ كعلاقة إرشادية هيأ الظروف للاستقلال الذاتي”.










اترك ردك