خامنئي الذي اغتيل في أواخر شباط 2026 خلال الحرب الأميركية – الإيرانية، ترك خلفه إرثاً ثقيلاً في المنطقة، كان “حزب الله” في لبنان أحد أبرز ركائزه وأكثرها التصاقاً باسمه. وفعلياً، جاء التشييع في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، بعدما فرضت الحرب بين إيران وأميركا وقائع جديدة على ساحات النفوذ الإيراني، ولا سيما لبنان. فوقف إطلاق النار الذي أعقب المواجهة لم يُقرأ في بيروت كحدث منفصل، بل كتحول قد ينعكس مباشرة على مستقبل “حزب الله”، وعلى موقع لبنان ضمن ما كانت طهران تسميه طوال عقود “محور المقاومة”.
من هنا، بدا غياب خامنئي أكثر من حدث إيراني داخلي. ففي لبنان، حيث ارتبط اسمه منذ عام 1989 بدعم “حزب الله” ورعاية صعوده السياسي والعسكري، أعاد التشييع طرح سؤال أساسي: ماذا بقي من إرث الرجل في الساحة اللبنانية بعد الحرب، وبعد الضربات التي تلقاها الحزب، وبعد تغيّر ميزان القوى الإقليمي؟
منذ توليه منصب المرشد الأعلى خلفاً لآية الله الخميني، نظر خامنئي إلى لبنان باعتباره ساحة متقدمة في الصراع مع إسرائيل. لم يكن لبنان في خطابه مجرد بلد عربي يواجه اعتداءات إسرائيلية، بل جزءاً من منظومة أوسع تقوم على ربط الجغرافيا اللبنانية بالمشروع الإيراني في المنطقة.
ومن هذه الزاوية، تحوّل “حزب الله” في أدبياته إلى نموذج لـ”المقاومة الناجحة”، وإلى دليل على قدرة إيران على بناء نفوذ خارج حدودها من خلال حلفاء عقائديين وعسكريين.
برزت أولى المحطات الكبرى في عام 2000، مع انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان. يومها، قدّم خامنئي التحرير بوصفه انتصاراً تاريخياً للمقاومة، لا للبنان وحده، معتبراً أن ما جرى أنهى معادلة “قوة لبنان في ضعفه”، ورسّخ معادلة مضادة مفادها أن قوة لبنان تكمن في مقاومته. بهذا المعنى، لم يتعامل مع الانسحاب الإسرائيلي كحدث لبناني صرف، بل كبداية لتحول إقليمي يُثبت، وفق رؤيته، أن إسرائيل قابلة للهزيمة.
إثر ذلك، جاءت حرب تموز 2006 لتشكّل اللحظة الأهم في علاقة خامنئي بلبنان. ففي تلك الحرب، رفع المرشد الإيراني “حزب الله” إلى مرتبة الرمز الإقليمي، واعتبر أن صموده أمام إسرائيل لم يكن مجرد إنجاز عسكري، بل “انتصاراً” لخط المقاومة كله. ومنذ ذلك الحين، أصبحت حرب تموز جزءاً ثابتاً من خطاب خامنئي عن لبنان، بوصفها الدليل الأوضح على أن الحزب لم يعد تنظيماً محلياً، بل قوة إقليمية قادرة على تغيير معادلات الردع.
لاحقاً، ومع اندلاع الحرب السورية، اتسع مفهوم لبنان في خطاب خامنئي. فـ”حزب الله” لم يعد يُقدَّم فقط كقوة تحمي الجنوب اللبناني، بل كجزء من جبهة إقليمية واحدة تمتد من طهران إلى بغداد ودمشق وبيروت. ومن خلال هذا الربط، برّر الخطاب الإيراني انخراط الحزب في سوريا على أنه دفاع استباقي عن لبنان وعن محور المقاومة، لا خروجاً عن وظيفته اللبنانية الأساسية.
أما بعد عام 2023، ومع حرب غزة واتساع الجبهة اللبنانية، فقد عاد لبنان إلى قلب خطاب خامنئي، فقد تعامل مع جبهة الجنوب بوصفها إحدى ساحات الضغط على إسرائيل، ورأى في تحرك حزب الله تأكيداً لفكرة “وحدة الساحات”. وفي أكثر من موقف، شدد على أن الضربات الإسرائيلية لا تستطيع إنهاء الحزب أو ضرب بنيته الجوهرية، معتبراً أن المقاومة في لبنان ستبقى لاعباً أساسياً في تحديد مستقبل المنطقة.
وتكرّس هذا الخطاب أكثر بعد الاغتيالات التي طالت قيادات بارزة في حزب الله، ولا سيما الأمينين العامين السابقين للحزب السيد حسن نصر الله والسيد هاشم صفي الدين. يومها، سعى خامنئي إلى تثبيت فكرة الاستمرارية، مؤكداً أن “حزب الله” ليس قائماً على شخص واحد، وأن بنيته العقائدية والتنظيمية قادرة على تجاوز خسارة القادة. وقد كان هذا الموقف جزءاً من محاولة إيرانية لمنع تحويل الاغتيالات إلى مؤشر على انهيار المشروع الذي رعاه لعقود.
لكن الحرب الأميركية – الإيرانية عام 2026 بدّلت الإطار كله. في الواقع، فإن اغتيال خامنئي لم ينهِ فقط حقبة داخل النظام الإيراني، بل فتح أيضاً مرحلة جديدة أمام حلفاء إيران، وفي مقدمتهم حزب الله. ومع أن طهران حرصت على تأكيد استمرار النهج وعدم سقوط المشروع، فإن غياب الرجل الذي شكّل المرجعية العليا لهذا المسار طرح تحديات عميقة أمام الحزب في لبنان، خصوصاً أن المسار الجديد الذي يقف أمامه التنظيم يتعارض تماماً مع المسارات التي كانت سائدة سابقاً وتحديداً قبيل حرب إسناد غزة عام 2023.
في الخلاصة، لا يمكن قراءة مواقف علي خامنئي من لبنان بمعزل عن مشروعه الإقليمي. فمنذ عام 1989 حتى اغتياله في شباط 2026، كان لبنان بالنسبة إليه أكثر من ساحة حليفة. كذلك، كان لبنان اختباراً دائماً لفكرة المقاومة، وممراً أساسياً لمواجهة إسرائيل، وورقة نفوذ في الصراع مع الولايات المتحدة.











اترك ردك