وبحسب الموقع بأنه “لفهم حجم هذا التحول، يجب على المرء أن يعود إلى اللقاء بين الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون ورئيسة الوزراء الإسرائيلية غولدا مائير؛ فقد وضعا إطاراً يجعل إسرائيل دولة “عتبة” في نظر الرأي العام، وسمح هذا للولايات المتحدة بتجاهل قوانينها الخاصة المتعلقة بالمساعدات المقدمة للدول النووية، كما حال دون سباق تسلح إقليمي لعقود. كان العالم يعلم أن منشأة ديمونا في صحراء النقب مركزٌ للأسلحة النووية، وقد أكدت صور الأقمار الصناعية وشهادات المبلغين عن المخالفات ذلك. ومع ذلك، التزم الخطاب الدبلوماسي الرسمي الصمت، وكان هذا الصمت بمثابة تطبيق عملي لـ”النظام القائم على القواعد”. لقد كان زيفاً مفيداً خدم المصالح الغربية لأكثر من خمسين عاماً”.
وتابع الموقع: “حدثت نقطة التحول خلال الصراع الحاد الذي دار في شباط وآذار 2026؛ وعلى عكس الحروب الخفية السابقة، شهد هذا الصراع تبادلاً مباشراً للصواريخ الباليستية. ففي 21 آذار 2026، سقطت عدة صواريخ تقليدية بالقرب من منطقتي عراد وديمونا، وقد لفت هذا الحدث انتباه العالم فوراً إلى البرنامج النووي الإسرائيلي. وواجه العالم سؤالاً مرعباً: ماذا سيحدث إذا أدى هجوم تقليدي إلى رد نووي؟ للمرة الأولى، أصبح غياب الشفافية عائقًا بدلًا من كونه ميزة، وأدرك المحللون العسكريون في واشنطن أن “الغموض” قد يؤدي إلى حسابات خاطئة؛ فإذا لم تكن إيران على دراية تامة بـ”الخطوط الحمراء” النووية الإسرائيلية، فقد تتجاوزها عن غير قصد. وعلى العكس، إذا شعرت إسرائيل بأن رادعها غير مرئي، فقد تستخدمه قبل الأوان. وقد أثبت ضباب الحرب في عام 2026 أن الأسرار خطيرة في ظل انهيار النظام الإقليمي، وقررت واشنطن أنه لإنقاذ المنطقة من كارثة نووية، عليها تحديد حدود قوة إسرائيل. كان عليها أن تقول الحقيقة لرسم هذه الحدود”.
“الأمن النووي”
وأضاف الموقع: “انتقل التركيز من ساحة المعركة إلى أروقة السلطة في واشنطن في أيار 2026. فقد وجّه نحو ثلاثين مشرّعًا أميركيًا رسالة رسمية إلى وزير الخارجية ماركو روبيو، شكّلت هذه الرسالة نقطة تحوّل تاريخية في السياسة الخارجية الأميركية، وطالب المشرّعون بتقديم إحاطة شاملة حول القدرات النووية الإسرائيلية، مؤكدين أن دافعي الضرائب الأميركيين لا يمكنهم الاستمرار في تمويل حرب دون معرفة حجم المخاطر المترتبة عليها. وكان ردّ روبيو أكثر إثارة للصدمة؛ فبدلاً من العبارة المعتادة “لا نعلق على مسائل الاستخبارات”، بدأت الإدارة مناقشة “الأمن النووي والتنسيق” مع حليفتها. هذا الاختيار للكلمات يُعدّ اعترافاً ضمنياً، فلا يمكن تنسيق الأمن النووي مع دولة لا تمتلك أسلحة نووية. باستخدام هذه اللغة، أنهت الحكومة الأميركية فعلياً عهد الإنكار الرسمي. لقد انكشف السر، وكانت الحكومة الأميركية هي من أفصحت أخيراً عن الحقيقة للمجتمع الدولي”.
وبحسب الموقع أنه “لعقود طويلة، نظرت الولايات المتحدة إلى الترسانة الإسرائيلية السرية باعتبارها عامل استقرار صامت، و”بوليصة التأمين المثالية”، إلا أن حرب 2026 غيّرت هذا التصور، إذ بات الكثيرون في مجتمع الاستخبارات الأميركي ينظرون إلى هذه الترسانة السرية على أنها “عبء استراتيجي”. إذا اعترفت الولايات المتحدة بأن إسرائيل قوة نووية، فإنها ستواجه ضغوطًا قانونية هائلة، فالقوانين الأميركية، مثل تعديلي سيمينغتون وغلين، تحظر تقديم المساعدات للدول التي تمتلك أسلحة نووية خارج معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. وباعترافها الضمني بهذه القنابل، قد تُجبر واشنطن الآن على الاختيار بين تغيير قوانينها وتعديل علاقتها مع إسرائيل، وقد يُؤدي هذا المصدر الناشئ للتوتر إلى شرخ محتمل بين البيت الأبيض والحكومة الإسرائيلية. لقد أصبح ثمن الحفاظ على التستر الرسمي باهظًا للغاية بحيث لا يستطيع النظام السياسي الأميركي تحمله”.
“الانتصار التاريخي”
وتابع الموقع: “قد يُمثل هذا التطور لحظة انتصار تاريخي. فعلى مدى خمسين عامًا، أشار المراقبون الإقليميون إلى ازدواجية معايير صارخة؛ فبينما واجهت إيران عقوبات قاسية بسبب برنامج مدني، تلقت إسرائيل مليارات الدولارات كمساعدات لبرنامج عسكري. إن زوال هذا الغموض يُزيل قناع التناقض الغربي. في عواصم مثل الرياض والقاهرة والدوحة، تحوّل النقاش؛ فإذا ما صُنّفت إسرائيل صراحةً كقوة نووية، فإنّ الدعوة إلى “منطقة خالية من الأسلحة النووية” في الشرق الأوسط ستصبح أكثر إلحاحاً، أو قد يدفع ذلك قوى إقليمية أخرى إلى السعي لامتلاك وسائل ردع خاصة بها. ويناقش “انفتاح إسلام آباد” والمحور الصيني الإيراني الباكستاني الجديد بالفعل نموذج “الردع المتعدد الأقطاب”، ويفترض هذا النموذج أن السلام الإقليمي لا يمكن أن يتحقق إلا إذا حظيت كل القوى الكبرى بضمانات أمنية متساوية. إنّ الاعتراف بترسانة إسرائيل يجعل احتكار الغرب القديم للأمن أمراً مستحيلاً، ويستعد القادة الإقليميون الآن لمستقبلٍ يتعين عليهم فيه الاعتماد على قوتهم الذاتية بدلاً من الوعود الغربية”.
وأضاف الموقع: “إن زوال الغموض يمثل ضربة قاضية لنظام عدم الانتشار النووي العالمي الحالي، فقد بُنيت معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية على فكرة أن خمس قوى “رسمية” فقط هي التي يحق لها امتلاك أسلحة نووية. وكانت إسرائيل دائماً هي “الاستثناء”، والآن وقد أصبح هذا الاستثناء علنياً، تبدو قواعد معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية منتهكة. وتراقب دول الجنوب العالمي الوضع عن كثب، فهي ترى أن بإمكان دولة ما بناء ترسانة أسلحة نووية، وإبقائها سرية لنصف قرن، ومع ذلك تحظى بدعم كامل من القوة العظمى في العالم، وقد يشجع هذا الإدراك دولًا أخرى على اتباع النهج نفسه. لقد أثبتت حرب 2026 أن المعاهدات القديمة لم تعد كافية لإدارة عالم متعدد الأقطاب، كما وتضررت مصداقية الأمم المتحدة كجهة رقابية على السلامة النووية بشدة. فإذا كانت القواعد لا تُطبق إلا على البعض، فإنها في نهاية المطاف لن تُطبق على أحد. لقد دخل العالم عصر “ما بعد الغموض”، ورغم أن الحقيقة أفضل من الكذب، إلا أن هذا الوضوح الجديد ينطوي على مخاطر، فنحن ننتقل من “شرق أوسط صامت” إلى “شرق أوسط مسلح علنًا”. إن وقف إطلاق النار لعام 2026، الذي تم التوصل إليه بوساطة باكستانية، ليس إلا هدنة مؤقتة”.
وختم الموقع: “كان اعتراف واشنطن المتواضع بترسانة إسرائيل خطوة نابعة من اليأس، لقد كانت محاولة يائسة لوضع “خطوط حمر” ومنع كارثة عالمية في ذروة الصراع. ومع ذلك، بكسرها لهذا المحظور، حطمت الولايات المتحدة أيضاً أسس سياستها الإقليمية. لقد انتهى عهد “النظام القائم على القواعد”، وحلّت محله حقيقةٌ متعددة الأقطاب، حيث تُقاس القوة بمدى وضوح القدرات النووية. لقد ولّى عهد الأسرار، وبدأ عهد المواجهة المباشرة والخطيرة. بالنسبة إلى شعوب الشرق الأوسط، لا يُمثّل الكشف عن ديمونا مجرد حدث ديبلوماسي، بل هو إشارة إلى ضرورة بناء المنطقة لبنيتها الأمنية الخاصة، بمعزل عن سرديات الماضي الفاشلة”.











اترك ردك