فما بين هذين الهامشين يتحرّك المفاوضون الأميركيون والإسرائيليون، الذين يسعون، كلٌ من جهته، إلى تحقيق أكبر قدر من المكتسبات، وإن كان بخلفية التهديد بالعودة إلى لغة النار والبارود. وهذا ما هدف إليه ترامب من خلال تصريحه الناري، الذي كاد يعيد المفاوضات إلى نقطة الصفر.
غير أن ما يلفت انتباه المراقبين هو أن المفاوضات في سويسرا تجاوزت منذ أيامها الأولى حدود الملف النووي الإيراني أو مسألة حرية الملاحة في مضيق هرمز، لتتحول إلى مفاوضات على إعادة رسم قواعد الاشتباك في الشرق الأوسط بأسره، ولبنان في قلب هذه القواعد الجديدة. ولذلك، فإن إصرار الوفد الإيراني على ربط أي تقدّم في المفاوضات بتثبيت وقف إطلاق النار في الجنوب اللبناني ليس تفصيلاً تفاوضياً، بل يعكس إدراكاً إيرانياً بأن أي تفاهم مع واشنطن لن يكون قابلاً للحياة إذا بقيت الجبهة اللبنانية مشرعة على احتمالات الانفجار في أي لحظة.
في المقابل، تبدو واشنطن أكثر استعجالاً للوصول إلى تفاهم يخفف منسوب التوتر في المنطقة، ليس فقط بسبب انعكاسات أي مواجهة واسعة على الاقتصاد العالمي وأسعار الطاقة، بل أيضاً لأن الإدارة الأميركية تدرك أن استمرار الحرب في الجنوب اللبناني سيبقي إسرائيل في حال استنفار دائم، وسيجعل أي تسوية إقليمية عرضة للانهيار عند أول اختبار ميداني.
أما إسرائيل، فهي تتعامل بحذر شديد مع هذا المسار. فمن جهة، لا تستطيع معارضة التفاهم الأميركي – الإيراني بصورة علنية إذا كان يضمن مصالحها الأمنية الأساسية، لكنها من جهة أخرى تخشى أن يؤدي أي اتفاق لا يأخذ في الاعتبار هواجسها إلى تكريس واقع جديد على حدودها الشمالية. لذلك، تسعى إلى استثمار الوقت الفاصل عن أي تسوية نهائية لفرض وقائع ميدانية وسياسية تجعلها شريكاً مقرراً في صياغة المرحلة المقبلة، لا مجرد طرف يتلقى نتائج المفاوضات.
ومن هنا، فإن لبنان يقف اليوم عند تقاطع حساس بين ثلاثة مسارات متوازية: المفاوضات الأميركية – الإيرانية في سويسرا، والمفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية برعاية أميركية، والنقاش الداخلي حول مستقبل سلاح “حزب الله” ودوره في المعادلة اللبنانية الجديدة. وهذه المسارات، وإن بدت منفصلة في الشكل، إلا أنها مترابطة في الجوهر، بحيث إن أي تقدم أو تعثر في أحدها سينعكس مباشرة على المسارين الآخرين.
فإذا نجحت مفاوضات سويسرا في إنتاج تفاهم واسع، فمن المرجح أن ينعكس ذلك تهدئة طويلة الأمد في الجنوب اللبناني، مع دفع أكبر نحو تثبيت وقف إطلاق النار، واستكمال الانسحاب الإسرائيلي، وفتح الباب أمام إعادة الإعمار بدعم دولي وعربي. أما إذا تعثرت هذه المفاوضات أو انهارت، فإن لبنان سيكون مرة جديدة من بين أولى الساحات التي ستتلقى ارتدادات الفشل، سواء عبر تصعيد عسكري جديد أو عبر استمرار حالة اللاسلم واللاحرب التي ترهق الدولة والمجتمع معاً.
ولعل المفارقة أن مستقبل الجنوب اللبناني لم يعد يُرسم فقط على تخوم القرى الحدودية أو في الغرف المغلقة بين بيروت وتل أبيب، بل أصبح جزءاً من لوحة إقليمية أوسع، تتداخل فيها حسابات واشنطن وطهران وتل أبيب، وتُختبر فيها قدرة لبنان على أن يكون شريكاً في صناعة مستقبله، لا مجرد ساحة لتصفية حسابات الآخرين.











اترك ردك