ورغم أنّ تقرير المجموعة لم يتضمن أيّ دعوة إلى فرض إجراءات عقابيّة إضافية على لبنان، فإنّه أبقى البلاد تحت المراقبة المشدّدة بانتظار استكمال الإصلاحات. وشددت مجموعة العمل المالي على ضرورة مواصلة لبنان تنفيذ مجموعة من الإجراءات الأساسيّة، أبرزها إجراء تقييمات محدّثة ودقيقة لمخاطر تمويل الإرهاب وغسل الأموال، واعتماد سياسات فعّالة للحدّ من هذه المخاطر. كما دعت إلى تعزيز تنفيذ العقوبات الماليّة الموجّهة، وتكثيف الرقابة القائمة على المخاطر على القطاعات غير الماليّة والمنظمات غير الربحيّة عالية المخاطر، فضلاً عن تعزيز آليات الاستجابة لطلبات المساعدة القانونيّة المتبادلة وتسليم المطلوبين واسترداد الأصول، وتطبيق عقوبات رادعة بحق المخالفين.
وفي قراءة لنتائج الاجتماع، أوضح الباحث الاقتصادي وخبير المخاطر المصرفية الدكتور محمد فحيلي أنّ المجموعة قررت إرجاء التقييم الشامل لوضع لبنان إلى أواخر عام 2026 نظراً للأوضاع الأمنية المرتبطة بالحرب وتداعياتها، مع الإبقاء على التصنيف الرمادي،واستمرار الرقابة المعزّزة في مجال مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب.
وبعيدًا من الجوانب التقنية المرتبطة بمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، يقرأ فحيلي القرار من زاوية أوسع، معتبرًا أنّ أهمية استحقاق مجموعة العمل المالي تتجاوز مسألة الامتثال التقني لتشكّل اختبارًا لقدرة لبنان على استعادة الثقة المحليّة والدوليّة بمؤسساته الماليّة والنقدية والقضائية “فالمجتمع المالي الدولي، لا يراقب فقط المؤشّرات النقديّة، بل يقيّم أيضًا فعاليّة الرقابة وشفافيّة العمليات الماليّة،ومدى قدرة المؤسسات على إنفاذ القوانين. وعليه، فإنّ إبقاء لبنان على اللائحة الرمادية يعكس، في جوهره، استمرار أزمة الثقة بالنظام المالي اللبناني ومؤسسات الدولة.
ولفت فحيلي في حديث لـ”لبنان 24″ إلى أنّ “القرار لم يصدر لأنّ المصارف اللبنانية فشلت في التعرّف إلى عملائها أو تطبيق قواعد الامتثال، بل لأنّ الدولة اللبنانية ككل أخفقت في إثبات فعاليّة منظومتها الوطنيّة لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب”.
ويشير فحيلي إلى أنّ الاستقرار النقدي الذي تحقق خلال السنوات الأخيرة يبقى هشًّا ما لم يترافق مع إصلاحات ماليّة ومصرفيّة شاملة، وفي مقدّمتها معالجة ملف الودائع وإعادة هيكلة القطاع المصرفي.
في تقريرها، طالبت المجموعة لبنان بإظهار زيادة مستدامة في التحقيقات والملاحقات والأحكام القضائيّة المرتبطة بجرائم غسل الأموال، بما يتناسب مع مستوى المخاطر، فضلاً عن تعزيز مصادرة التحويلات غير المشروعة عبر الحدود، وضمان التطبيق الفوري للعقوبات الماليّة الموجّهة، لا سيّما على المؤسسات الماليّة غير المصرفيّة. ويعزو فحيلي جانبًا من تشدّد المجموعة في المسائل القضائيّة والرقابيّة إلى اتساع الاقتصاد النقدي واقتصاد الظل في لبنان “حيث نتج عن تراجع الثقة بالمصارف توسّع الأنشطة الماليّة خارج القنوات النظاميّة، ما صعّب عمليات الرقابة وتتبع الأموال، ورفع مستوى المخاطر المرتبطة بغسل الأموال والأنشطة غير المشروعة”. في السياق أشار فحيلي إلى أنّ نقاط الضعف الأساسيّة التي لا تزال موضع متابعة، تتصل بفعاليّة الملاحقات القضائيّة، واسترداد الأصول، وتحديد المستفيدين الحقيقيين من الشركات. مؤكّدًا أنّ التعامل مع الاقتصاد النقدي بوصفه المشكلة الأساسيّة قد يؤدي إلى تشخيص غير دقيق للأزمة “إذ أنّه نتيجة مباشرة لفقدان الثقة بالدولة ومؤسساتها، وليس سببًا لها”.
ويخلص إلى أنّ التحدي الحقيقي لا يكمن في الحصول على تقييم إيجابي من مجموعة العمل المالي في المستقبل القريب، بل في قدرة الدولة اللبنانية على تنفيذ إصلاحات بنيوية تعيد بناء الثقة بالمؤسسات الماليّة والقضائيّة والرقابيّة.
وبذلك، يبدو أن بقاء لبنان على اللائحة الرمادية لا يشكل عقوبة بحد ذاته بقدر ما يمثل إشارة مستمرة إلى حجم الإصلاحات التي لا تزال معلّقة، حيث يبقى الخروج من هذه الدائرة مرهونًا بقدرة الدولة على استعادة الثقة، وتطبيق إصلاحات شاملة تتجاوز الإطار التقني إلى البنيوي العميق، مع بقاء احتمال انتقال التصنيف من الرمادي إلى الأسود قائمًا، في حال استمرار التعثر.











اترك ردك