لماذا يصعب على شباب فرنسا إيصال صوتهم والتأثير في القرار؟

أفاد تقرير نشرته وكالة “أسوشيتد برس” (AP) بأن طلاب المدارس الثانوية الذين يشاركون منذ أسابيع في احتجاجات في فرنسا، اعتراضًا على نقص التمويل المخصص للمدارس وغموض مستقبلهم، يشكون من صعوبة إيصال أصواتهم وإسماع مطالبهم، في معركة تثير لديهم الإحباط.

 

وبحسب التقرير الّذي ترجمه “لبنان 24″، فإن الشباب في المجتمعات التي تشهد شيخوخة سكانية، ومنها فرنسا والولايات المتحدة ودول أخرى، لم يعودوا يتمتعون بالثقل العددي نفسه الذي مكّن آباءهم وأجدادهم من ترك بصمتهم عندما كانوا في أعمارهم.

 

وفي فرنسا، تمكن الطلاب المحتجون من إطلاق نقاش وطني بشأن تمويل المدارس، سرعان ما اتسع نطاقه ليتحول إلى حالة من الاضطرابات الأوسع، على خلفية صعوبات المعيشة وارتفاع تكاليفها، فضلًا عن ما يصفه المحتجون بالتعامل الأمني المتشدد مع التظاهرات.

 

وفي صربيا، أسهمت احتجاجات قادها الطلاب واستمرت عامين في الإطاحة بالرئيس القومي الشعبوي ألكسندر فوتشيتش، خلال عطلة نهاية الأسبوع. أما في ألبانيا، فينضم طلاب المدارس الثانوية والجامعات بأعداد متزايدة إلى حركة مناهضة للحكومة تضغط منذ أشهر من أجل استقالة رئيس الوزراء إيدي راما. كذلك، يتحرك أفراد من الجيل زد في الهند ونيبال ودول أخرى.

 

وقالت الناشطة البيئية السويدية غريتا تونبرغ، البالغة 23 عامًا، خلال ظهورها في احتجاج طلابي في ضاحية سين سان دوني في باريس: “نشهد انتفاضة للشباب في مختلف أنحاء العالم”.

 

لكن التقرير أشار إلى أن الشباب في فرنسا وصربيا ودول أخرى يخسرون أيضًا جزءًا من ثقلهم الديموغرافي لمصلحة الأجيال الأكبر سنًا، التي تعيش مدة أطول وأصبحت تفوقهم عددًا.

 

وبالتالي، فإن خروج الشباب في مسيرات، ورفعهم اللافتات، وترديدهم الشعارات، لا يعني أن أصواتهم تتمتع بالثقل العددي نفسه الذي كانت تحظى به في السابق.

 

جيل طفرة المواليد يفوق الشباب عددًا

 

عندما حقق المغني الفرنسي جوني هاليداي، الذي يُشبَّه بإلفيس بريسلي في فرنسا، أول نجاحاته بأغنية “Souvenirs, Souvenirs” عام 1960، كان أوائل الأطفال الذين ولدوا بعد الدمار الذي خلفته الحرب العالمية الثانية قد دخلوا مرحلة المراهقة، ضمن الموجة الأولى من جيل طفرة المواليد بعد الحرب، وهو الجيل الذي أعاد تشكيل المجتمع الفرنسي والعالم على نطاق أوسع.

 

وشهد ذلك الجيل وصول فرقة “بيتلز” إلى فرنسا، حيث أحيت أولى حفلاتها هناك عام 1964، كما شهد عام 1965 إقرار حق المرأة في فتح حساب مصرفي من دون موافقة زوجها، ثم إضفاء الشرعية على حبوب منع الحمل عام 1967.

 

وبدأ الشباب يتحولون إلى قوة سياسية وثقافية واجتماعية مؤثرة، قبل أن يواجهوا النظام القائم خلال احتجاجات أيار 1968، عندما أقاموا المتاريس ورشقوا الحجارة ورددوا شعارات لافتة، من بينها: “كن واقعيًا، طالب بالمستحيل”.

 

وكانت المعادلة الديموغرافية في ذلك الوقت تصب في مصلحة الشباب. ففي عام 1968، بلغ عدد المراهقين والشباب في فرنسا القارية 9.4 ملايين شخص، أي ما يعادل 19% من السكان، متجاوزين بفارق واضح عدد كبار السن. ولم تكن نسبة الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 65 عامًا وما فوق تتجاوز 13% من السكان، أي نحو 6.3 ملايين شخص.

 

أما اليوم، فقد انقلبت المعادلة. إذ يبلغ عدد الأشخاص الذين تتجاوز أعمارهم 65 عامًا نحو 15 مليونًا، أي ما يعادل 22% من السكان، متجاوزين بذلك عدد الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 13 و24 عامًا، والبالغ نحو 9.6 ملايين شخص، أي ما يمثل 14% من السكان فقط.

 

أعباء العالم تقع على عاتق الشباب

 

وبحسب التقرير، أتيحت لأفراد جيل طفرة المواليد الأكثر ثراءً، وهم الأشخاص الذين ولدوا بين عامي 1946 و1964، فرص واسعة للاستفادة من التحولات الاقتصادية التي شهدها العالم.

 

وفي أوروبا، نشأ هؤلاء في ظل الازدهار الاقتصادي الذي أعقب الحرب العالمية الثانية، وهي المرحلة التي لا تزال تُذكر في فرنسا باسم “الثلاثون المجيدة”، في إشارة إلى ثلاثة عقود من النمو الاقتصادي.

 

كما شهدوا ظهور السفر الجوي منخفض التكلفة، ونهاية الحرب الباردة، وانتشار الحواسيب الشخصية. وفي فرنسا وحدها، جمع أفراد هذا الجيل ثروات شخصية هائلة تُقدّر بنحو 9 تريليونات يورو، أي ما يعادل نحو 10 تريليونات دولار، ومن المتوقع أن تنتقل هذه الثروات إلى ورثتهم بعد وفاتهم، في عملية يطلق عليها الخبراء اسم “الانتقال الكبير للثروات”.

 

لكن هذا الجيل يترك أيضًا وراءه تداعيات مدمرة لتغير المناخ، ومستويات قياسية من التلوث الناجم عن الأنشطة البشرية، والذي يؤدي إلى احتباس الحرارة في الغلاف الجوي، فضلًا عن نظام عالمي تهزه الحروب التي لم تُحسم في أوكرانيا وإيران، والتي بدأت خلال فترات حكم قادة من هذا الجيل، من بينهم دونالد ترامب، المولود عام 1946، وبنيامين نتنياهو، المولود عام 1949، وفلاديمير بوتين، المولود عام 1952.

 

وفي فرنسا، يرث أفراد الجيل زد أيضًا مستويات قياسية من الفقر ومشكلات اقتصادية خانقة، من بينها ارتفاع الدين العام إلى مستويات قياسية.

 

وتحد هذه الأعباء من قدرة الحكومة على تلبية جميع مطالب الطلاب المحتجين، الذين يريدون مدارس أفضل، ومزيدًا من المعلمين، ووضع حد لمشكلات انتشار الجرذان وتسرب المياه من الأسطح وغيرها من أوجه القصور في البنية التحتية، فضلًا عن توفير فرص أوسع لهم بعد التخرج.

 

وقالت كاميل شيسنييه، البالغة 27 عامًا، خلال مشاركتها في احتجاج في باريس: “أشعر بالغضب طوال الوقت عندما أنظر إلى العالم”.

 

وأضافت: “نشعر بالعجز، ولا نعرف حقًا كيف نجعل أصواتنا مسموعة”.

 

دعوات إلى خفض سن الاقتراع

 

وفي محاولة لمنح الشباب صوتًا أكبر في صناديق الاقتراع، ظهرت في فرنسا دعوات إلى خفض سن التصويت من 18 إلى 16 عامًا.

 

ومن أبرز المؤيدين لهذا المقترح المرشح الرئاسي عن اليسار المتطرف جان لوك ميلانشون، البالغ 75 عامًا، الذي يُعد من أبرز الداعمين لاحتجاجات طلاب المدارس الثانوية.

 

ويأمل ميلانشون أن تترجم هذه الحركة إلى ارتفاع نسبة المشاركة الانتخابية لدى الشباب، الذين أدلوا بأصواتهم بمعدلات أقل من الفئات العمرية الأخرى خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة عام 2022.

 

لكن لوك روبان، الباحث في العلوم السياسية في معهد الدراسات السياسية في باريس، والمنتمي بدوره إلى جيل طفرة المواليد، يشكك في أن يستفيد عدد كبير من الأشخاص البالغين 16 عامًا من حق التصويت، معتبرًا أنهم “يفتقرون إلى المعرفة السياسية ولا يهتمون بالسياسة”.

 

وقال روبان، البالغ 68 عامًا: “لماذا لا ينضم الشباب إلى الأحزاب السياسية؟ ولماذا يتراجع عدد الناشطين باستمرار؟ ولماذا تواجه النقابات العمالية صعوبة متزايدة في استقطاب أعضاء جدد؟ هنا تكمن المشكلة، إذ نشهد نوعًا من الرفض لنظام الديمقراطية التمثيلية”.

 

ومع ذلك، تعلم الطلاب المحتجون خلال الأسابيع الماضية كيفية إقامة المتاريس، والتعامل مع آثار الغاز المسيل للدموع الذي تطلقه الشرطة وغسل أعينهم منه، واكتسبوا دروسًا سياسية أخرى كانت بدورها جزءًا من التجربة التي مر بها جيل طفرة المواليد.

 

كما تمكنوا من تحقيق بعض التنازلات استجابة لمطالبهم.

 

وقال ماتيس أفيرسينك، الطالب في جامعة باريس سيتي، إن مطالب الطلاب تتشابه مع مطالب العمال، موضحًا: “الأجور منخفضة للغاية، والناس يفقدون وظائفهم. لقد أصبح العمل والعيش أكثر صعوبة يومًا بعد يوم”.

 

من جهته، قال فريد سالان، وهو مدرس يبلغ 33 عامًا في إحدى المدارس الثانوية في سين سان دوني التي شهدت احتجاجات متكررة، إنه فوجئ بشدة بمستوى الوعي السياسي الذي أظهره طلابه.

 

أما كمال حشكر، البالغ 49 عامًا، وهو مدرس آخر في المدرسة نفسها، فقال إن الطلاب “يعبرون عن قلق شديد إزاء المستقبل”، مشيرًا إلى أن بعضهم تأثروا به إلى حد دفعه إلى البكاء.

 

وأضاف: “بالنسبة إلى جيل طفرة المواليد الذي عاش مرحلة الثلاثين المجيدة، كانت الأمور سهلة للغاية”.