ماذا تكشف لافتات الطلاب عن احتجاجات فرنسا؟

وسط المشاهد المتلاحقة للاحتجاجات التي تشهدها فرنسا، من الصعب أحيانًا التوقف عند التفاصيل الصغيرة. الكاميرات تلاحق الحشود، والمواجهات مع الشرطة، وإغلاق الطرقات، فيما تتصدر أعداد المشاركين وعناوين التحركات المشهد. لكن بين أيدي الطلاب الذين يملأون الشوارع، هناك تفصيل يستحق القراءة قليلًا، وهو “اللافتات”.

 

قطع كرتون، أقلام عريضة، عبارات مكتوبة بخط اليد، وأحيانًا رسومات أو نكات لا يفهم معناها إلا من يعيش تفاصيل هذا الجيل. قد تبدو اللافتة للوهلة الأولى مجرد وسيلة لرفع مطلب أو توجيه رسالة إلى الحكومة، لكن التدقيق في مضمونها يكشف أن القصة أكبر من ذلك.

 

فالطلاب لا يكتبون فقط ما يريدون تغييره في مدارسهم، بل يكتبون أيضًا ما يقلقهم، وما يثير غضبهم، وما يرونه غير عادل.

 

إحدى اللافتات تقول: “نحن أكثر من مجرد بيانات في برنامج”. وفي مكان آخر ظهرت عبارة أكثر سخرية: “8 صباحًا – 7 مساءً، هل نحن في المدرسة أم قيد التوقيف؟”. وعلى لافتة أخرى كُتب: “مستقبل الأمة يمر عبر التعليم”.

 

لا تبدو العبارات متشابهة، لكن بينها خيط واضح. هناك جيل يحاول أن يقول إن مشكلته لا تختصر في عدد المدرسين أو ساعات الدراسة، بل تتعلق بما ينتظره بعد انتهاء المدرسة.

 

من يكتب كل هذه العبارات؟

 

لا يبدو أن هناك جهة واحدة تتولى الأمر. بعض الشعارات يولد بين الطلاب أنفسهم، في المدارس أو خلال النقاشات التي تسبق التظاهرات، وبعضها ينتقل عبر مجموعات التواصل، ثم يجد طريقه إلى الشارع. وهذا بحد ذاته يعكس تغيرًا في طريقة الاحتجاج.

 

في السابق، كان من الطبيعي أن تكون الأحزاب والنقابات هي التي تحدد الرسائل الأساسية وتنتج المواد التي تحملها التظاهرات. اليوم، يستطيع طالب واحد أن يقترح عبارة في مجموعة على هاتفه، وأن يعيد آخرون استخدامها أو تعديلها، ثم تظهر في اليوم التالي على عشرات اللافتات.

 

وهنا تلعب منصات مثل TikTok وInstagram وSnapchat دورًا واضحًا. فالشعار لم يعد بحاجة إلى أن يبقى في المكان الذي كتب فيه. صورة واحدة كافية لكي ينتقل إلى مدينة أخرى، وربما إلى مدرسة أخرى، خلال ساعات.

 

وبعض الشعارات الأكثر لفتًا للانتباه هي تلك التي تحمل شيئًا من حياة الطلاب اليومية. “مستقبلنا لا يعتمد على رمزنا البريدي”، تقول إحدى اللافتات.

 

قد تبدو الجملة بسيطة، لكنها تفتح بابًا على قضية أوسع، هل يحصل الطالب في كل منطقة فرنسية على الفرص نفسها؟ وهل يمكن أن يؤثر المكان الذي يعيش فيه على مستقبله التعليمي والمهني؟

 

وفي لافتة أخرى، تظهر عبارة: “نُعامل كأطفال، ونُعامل كمجرمين”، وهنا ينتقل النقاش من المدرسة إلى علاقة الشباب بالدولة. الطالب الذي يعتبر نفسه غير مسموع في القرارات التي تمس مستقبله، يجد نفسه في المقابل أمام أجهزة أمنية تتعامل مع الاحتجاج باعتباره مسألة يجب ضبطها.

 

ليس بالضرورة أن تكون هذه العبارات ممثلة لكل الطلاب، لكنها تكشف شيئًا عن المشاعر الموجودة في جزء من الشارع.

 

حتى ما يتعلمونه في المدرسة يدخل معهم إلى التظاهرة

 

ومن أكثر الأمثلة دلالة لافتة حملها أحد الطلاب وكتب عليها ما معناه: “المال للدراسة وليس للعبودية”، العبارة ليست مجرد شعار سياسي صيغ في لحظة غضب. الطالب استند في تركيبها إلى نص أدبي درسه في المدرسة. وهنا تظهر مفارقة لافتة، ما يفترض أن يبقى داخل الصف خرج إلى الشارع.

 

الكتاب الذي يقرأه الطالب استعدادًا للامتحان أصبح مادة لشعار احتجاجي، والنص الذي يتعلمه في المدرسة تحول إلى وسيلة للتعبير عن موقفه.

 

ربما لا نحتاج إلى تحميل هذه اللافتة أكثر مما تحتمل، لكنها تذكّر بأن هؤلاء الطلاب لا يأتون إلى الشارع منفصلين عن حياتهم اليومية. يحملون معهم ما يسمعونه في الصف، وما يقرأونه، وما يناقشونه مع أصدقائهم، وما يرونه على هواتفهم.

 

لماذا يعيش شعار ويموت آخر؟

 

هذه ربما النقطة الأكثر إثارة للاهتمام. في أي تظاهرة، تُكتب عشرات الشعارات. بعضها يبقى في مكانه وينتهي مع انتهاء اليوم، فيما تنتشر عبارات أخرى على مواقع التواصل وتعود للظهور في تظاهرات لاحقة. فليس بالضرورة أن يكون الشعار الأكثر انتشارًا هو الأكثر أهمية سياسيًا. أحيانًا يكون السبب أبسط، لأنه قصير، أو ساخر، أو فيه لعبة كلمات، أو لأنه يلفت النظر بسرعة عندما يظهر في صورة.

 

وهذا ما يفسر حضور عبارات تسخر من منصة “Parcoursup”، النظام الذي يعتمد عليه الطلاب في الانتقال إلى التعليم العالي، إلى جانب شعارات تنتقد الإنفاق على الشرطة مثل: “أقل من الشرطة، مزيد من المال”. الشعار هنا لا يخاطب المتظاهر الموجود أمامه فقط. إنه يخاطب أيضًا الشخص الذي سيمر على الصورة لاحقًا في هاتفه.

 

وهذا فرق مهم.

 

اللافتة لا تنتهي عندما تنتهي التظاهرة

 

قبل سنوات، كانت اللافتة تنتهي غالبًا بانتهاء المسيرة. اليوم، يمكن أن تبدأ حياتها الحقيقية بعد ذلك. طالب يكتب عبارة على قطعة كرتون. شخص آخر يلتقط صورة لها. الصورة تنتشر على Instagram أو TikTok. طالب في مدينة أخرى يراها، فيعيد كتابة العبارة أو يغيّرها لتناسب مدرسته. وفي اليوم التالي تظهر نسخة جديدة منها في مكان آخر.

 

بهذه الطريقة، تتحول اللافتة من شيء مادي إلى جزء من لغة مشتركة. واللافت أن التكنولوجيا دخلت حتى إلى مرحلة إعداد هذه المواد. فقد أشارت تقارير فرنسية إلى استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في إعداد بعض الملصقات المرتبطة بالدعوات إلى التحرك. المشهد يحمل شيئًا من المفارقة،  الكرتون والقلم ما زالا حاضرين، لكن خلفهما هاتف وخوارزمية وأحيانًا أداة ذكاء اصطناعي.

 

لماذا يحب الشباب السخرية في الاحتجاج؟

 

من الصعب فصل هذه الشعارات عن طبيعة الجيل الذي كتبها. السخرية بالنسبة إلى هؤلاء الطلاب ليست بالضرورة محاولة لتخفيف حدة الاحتجاج. في أحيان كثيرة، هي الطريقة الأسرع للتعبير عنه.

 

الجملة الساخرة يمكن أن تختصر موقفًا طويلًا في كلمات قليلة، ويمكن أن تجعل شخصًا يتوقف لقراءة اللافتة، ثم يصورها، ثم يشاركها. وهكذا يصبح الضحك جزءًا من عملية الاحتجاج نفسها.

 

ربما لهذا السبب تبدو بعض اللافتات وكأنها كُتبت لتصلح في الوقت نفسه للشارع ولشاشة الهاتف.

 

ومع كل ذلك، من الخطأ النظر إلى هذه الشعارات باعتبارها صوتًا موحدًا للطلاب الفرنسيين.

 

الاحتجاجات تضم مطالب مختلفة، والطلاب أنفسهم لا ينظرون إلى ما يحصل بالطريقة نفسها. هناك من يركز على نقص المدرسين وظروف المدارس، وهناك من يتحدث عن عدم المساواة، وهناك من يرى في الاحتجاج فرصة للتعبير عن قضايا سياسية واجتماعية أوسع.

 

حتى طريقة صياغة الشعارات تختلف من مدينة إلى أخرى. وهذا التنوع ربما يكون أهم من وجود شعار موحد؛ لأنه يبيّن أن الاحتجاج ليس رسالة واحدة جاهزة، بل مجموعة أصوات التقت في الشارع.

 

وفي النهاية، قد لا تخبرنا اللافتات بكل شيء عن الاحتجاجات الفرنسية، لكنها تكشف جانبًا يصعب الوصول إليه عبر الأرقام والتصريحات. فهي تظهر كيف يختار الشباب كلماتهم، وما الذي يشغلهم، وكيف يحولون غضبهم إلى عبارات قصيرة قابلة لأن تعيش في الشارع وعلى الشاشة في الوقت نفسه. وربما لهذا تستحق هذه القطع الصغيرة من الكرتون أن تُقرأ بقدر ما تُصوَّر.