ماذا وراء تقارب لبنان وتركيا؟.. تقرير يكشف الأهداف الحقيقية

نشرت صحيفة “arabnews” تقريراً جديداً تناول التحول الذي تشهده العلاقات اللبنانية – التركية، في ظل الزيارات المتقاربة التي أجراها كل من رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام إلى أنقرة خلال شهر تموز، معتبراً أن هذه الخطوات قد تمثل بداية مرحلة جديدة في مسار العلاقات بين البلدين.

وأشار التقرير الذي ترجمهُ “لبنان24” إلى أن سلام وعون التقيا الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وكبار المسؤولين الأتراك في زيارتين منفصلتين، بفارق أقل من ثلاثة أسابيع، في خطوة وصفها بأنها تعكس انفتاحاً دبلوماسياً لبنانياً غير مسبوق تجاه تركيا.

ولفت إلى أن العلاقات بين البلدين، رغم طابعها الودي، لم تبلغ حتى الآن كامل إمكاناتها، وهو ما دفع سلام إلى الدعوة خلال زيارته إلى الارتقاء بها إلى مستوى “شراكة استراتيجية”.

وأوضح التقرير أن عون شدد، خلال مقابلة مع وسائل إعلام تركية قبيل زيارته إلى أنقرة، على ثلاثة محاور رئيسية، هي المكانة المحورية لتركيا في النظام الإقليمي، وأهمية التنسيق معها باعتباره ضرورة استراتيجية لا خياراً مؤقتاً، إضافة إلى الدور الذي يمكن أن تؤديه في دعم قدرات المؤسسات العسكرية اللبنانية.

وذكر أنَّ عون أكد أن بيروت تعوّل على أنقرة للمساعدة في تأمين انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان ودعم تنفيذ الاتفاق الإطاري مع الجانب الإسرائيلي، مع التشديد على أن أي دور تركي يجب أن يكون مكملاً للدعم الأميركي والدولي القائم، وليس بديلاً منه.

وفي المقابل، رأى التقرير أن تركيا كانت تستعد منذ فترة لتعزيز انخراطها في لبنان، مذكراً بتصريح أردوغان في حزيران الماضي، الذي اعتبر فيه للمرة الأولى أن لبنان وسوريا يشكلان جزءاً من الأمن القومي التركي، وذلك رداً على ما وصفه بالعدوان الإسرائيلي والطموحات الإسرائيلية للهيمنة الإقليمية، بما يجعل من البلدين جبهة استراتيجية في مواجهة التوسع الإسرائيلي.

وأشار التقرير إلى أن هذا التوجه لا يحظى بارتياح في تل أبيب، إذ إن تصريحات أردوغان التي اعتبرت أن المصالح الأمنية التركية تمتد إلى دمشق وبيروت، إلى جانب استعداد لبنان لمنح أنقرة دوراً أكثر فاعلية، من شأنها تعقيد الحسابات الإسرائيلية.

وأوضح أنَّ أنقرة ترى أن إسرائيل تحاول استدراج لبنان إلى دائرة تنافسها مع تركيا، مؤكداً أن القيادة التركية لا تنوي السماح بحدوث ذلك.

ولفت التقرير إلى أن تركيا نجحت في بناء علاقات قوية مع الحكومة السورية الجديدة، كما توسع حضورها الاقتصادي والأمني في سوريا بعد مرحلة الرئيس السابق بشار الأسد، مشيراً إلى أنها تسعى اليوم، وبالتنسيق مع بيروت، إلى المساهمة في دعم التعافي الاقتصادي وتعزيز الأمن في لبنان.

وأوضح أن تركيا، رغم حضورها التاريخي في لبنان، لا تزال بحاجة إلى دعم إقليمي لسياساتها هناك، وتعتمد بصورة خاصة على علاقاتها التعاونية مع كل من دمشق والرياض.

وأشار التقرير إلى أن أنقرة لعبت خلال الفترة الماضية دوراً دبلوماسياً بعيداً عن الأضواء، ولا سيما في الاتصالات بين سوريا ولبنان، وحتى بين سوريا و”حزب الله”، بهدف منع تصاعد التوتر في المشرق، لافتاً إلى أن أردوغان شدد على أهمية تعزيز العلاقات بين بيروت ودمشق لما فيه مصلحة المنطقة بأسرها.

ورأى التقرير أن استقرار لبنان يمثل مصلحة مشتركة لكل من تركيا وسوريا، وهو ما دفع أنقرة إلى إدراج لبنان ضمن منظومة الأمن الإقليمي التي تقودها بالتعاون مع دول الجوار السوري، ومنها الأردن والعراق، مؤكداً استعدادها لتقديم مختلف أشكال الدعم الأمني لبيروت.

وذكر أن القوات التركية تشارك منذ سنوات ضمن قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، التي يُتوقع أن تنهي مهمتها مع انتهاء ولايتها في كانون الأول 2026، بعد نحو خمسة عقود من الانتشار، مشيراً إلى أن تركيا، بصفتها عضواً رئيسياً في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، تعمل على حشد دعم لإنشاء قوة جديدة تابعة للحلف في جنوب لبنان، تضم قوة تركية كبيرة لتحل محل “اليونيفيل”.

وأوضح التقرير أن لبنان يسعى أيضاً إلى شراء منتجات دفاعية تركية، معتبراً أن هذا التوجه يرتبط بعملية التعافي الاقتصادي التي تتطلب استقراراً سياسياً داخلياً وانسحاب القوات الإسرائيلية، إلا أن مجرد الاهتمام بهذه المشتريات يعكس رغبة بيروت في تنويع شراكاتها الأمنية والاقتصادية، فيما تبدو تركيا مرشحاً بارزاً لسد هذا الفراغ.

وأشار إلى أن المحادثات التي أجراها المسؤولون اللبنانيون مع أردوغان ركزت بصورة خاصة على ملفات التعافي الاقتصادي والبنية التحتية، لافتاً إلى أن لبنان يطمح إلى الانضمام إلى مشروع سكة حديد الحجاز عبر خطي طرابلس – حمص وبيروت – دمشق.

وأكد التقرير أن نجاح هذا المشروع يرتبط بدور كل من سوريا والسعودية، باعتبارهما شريكين فيه، إلى جانب تعاونهما مع تركيا في عدد من الملفات الإقليمية، موضحاً أن انضمام لبنان مستقبلاً إلى هذا الممر اللوجستي الإقليمي، بعد إعادة تأهيل شبكة السكك الحديدية، قد يسهم في دعم تعافيه الاقتصادي والبنى التحتية على المدى الطويل.

وخلص التقرير إلى أن الدور التركي في لبنان يقوم، من وجهة النظر اللبنانية، على ثلاثة محاور رئيسية، تتمثل في المساهمة في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية عبر تعزيز التعاون الأمني والاستفادة من نفوذ أنقرة في واشنطن، ودعم التعافي الاقتصادي ومشاريع الربط الإقليمي، إلى جانب تقديم المساعدات الإنسانية من خلال أدوات القوة الناعمة.

وأشار إلى أن تركيا تنشط في لبنان عبر الوكالة التركية للتعاون والتنسيق، وهيئة إدارة الكوارث والطوارئ، والهلال الأحمر التركي، التي تقدم مساعدات إنسانية في مختلف المناطق.

كذلك، لفت التقرير إلى أن المساعدات المقدمة للبنان أسهمت أيضاً في دعم مسار التطبيع بين تركيا وأرمينيا، مستشهداً بإعادة فتح معبر أليجان/مارغارا الحدودي بين البلدين في حزيران الماضي، للمرة الأولى منذ عام 1993، بهدف تسهيل إيصال المساعدات الإنسانية من أرمينيا إلى لبنان.

أيضاً، رأى التقرير أن هذا التطور بدأ يغيّر النظرة إلى تركيا داخل لبنان، بعدما كانت الجالية الأرمنية تُعد لسنوات إحدى العقبات أمام تطوير العلاقات بين البلدين.

وختم التقرير بالقول إن الزيارتين اللتين أجراهما الرئيس جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام إلى تركيا تؤشران إلى انطلاق مرحلة جديدة في العلاقات اللبنانية – التركية، قد تفتح أمام البلدين فرصة استراتيجية يسعى كل منهما إلى استثمارها.