مشروع المنطقة التجريبية… من منطق إدارة الصراع إلى إدارة المجال الحدودي

بين ركام الحرب وأسئلة اليوم التالي، يقف جنوب لبنان أمام واحدة من أكثر المراحل حساسية منذ عام 2000. فبينما تسعى الولايات المتحدة وإسرائيل إلى الدفع نحو ما يُعرف بـ”المنطقة النموذجية” كنموذج أمني وإداري جديد للحدود الجنوبية، فإن مشروع المنطقة التجريبية يقوم على إنشاء نطاق جغرافي يبدأ في بلدتي زوطر الشرقية وزوطر الغربية، مع يحمر وقلعة الشقيف، ويخضع حصراً لسلطة الجيش ، بحيث يكون خالياً من أي وجود مسلح خارج إطار الدولة.

وبحسب مصادر معنية بملف الجنوب، فإن نجاح التجربة في مرحلتها الأولى قد يفتح الباب أمام توسيعها تدريجياً لتشمل مناطق أخرى على طول الحدود الجنوبية. وتشير التقديرات إلى أن التوسع المحتمل قد يطال مناطق في القطاع الغربي، مثل مجدل زون وزبقين، كما قد يمتد إلى البلدات المشرفة على وادي السلوقي في القطاع الأوسط، ووادي الحجير في القطاع الشرقي، نظراً لما تتمتع به هذه المناطق من أهمية جغرافية وعسكرية في معادلة الأمن الحدودي.

لكن الوقائع الميدانية تكشف أن المشهد لا يزال أكثر تعقيداً من أن يُختزل بخطة أمنية أو ترتيبات تقنية. فالمناطق الممتدة من الزوطرين إلى يحمر والشقيف ما زالت تشكل عقدة استراتيجية في معادلة الصراع، فيما تتداخل الحسابات العسكرية مع رهانات السياسة الداخلية والتوازنات الإقليمية.

وفي ظل مفاوضات وضغوط دولية متزايدة، يبرز سؤال جوهري: هل تمثل المنطقة النموذجية مدخلاً فعلياً لاستقرار طويل الأمد، وإعادة إعمار الجنوب، وتعزيز دور الدولة، أم أنها خطوة أولى في مشروع أوسع لإعادة رسم قواعد الاشتباك والحدود السياسية والأمنية في الجنوب؟

في العلوم العسكرية الحديثة، لا يقاس النجاح كما يقول العميد الركن بهاء حسن حلال،فقط بحجم التدمير أو السيطرة النارية، بل بقدرة القوة المهاجمة على تحقيق أهدافها السياسية والعسكرية النهائية.وعند إسقاط هذا المعيار على الجنوب ، تظهر مفارقة مهمة فإسرائيل تمتلك تفوقاً نارياً واستخبارياً وجوياً شبه مطلق، لكنها تواجه استحالة في إنتاج واقع أمني مستقر ونهائي في عدد من المناطق الحدودية، وتكتسب مناطق الزواطر ويحمر والشقيف أهمية خاصة لأنها تقع ضمن عقدة جغرافية تشرف على مساحات واسعة من الجنوب وتشكل امتداداً طبيعياً لسلسلة التلال الحاكمة للنار والمراقبة.

ووفقاً لنظرية “الهيمنة على الأرض المرتفعة” التي تشكل إحدى ركائز الفكر العسكري الكلاسيكي منذ كلاوزفيتز وحتى العقائد الأطلسية الحديثة، فإن السيطرة الفعلية لا تتحقق، كما يقول العميد حلال، بمجرد تدمير الأهداف بل بفرض بيئة أمنية تمنع العدو المفترض من إعادة إنتاج نفسه، فالمؤشرات الميدانية الحالية توحي بأن إسرائيل لم تنجح في تقليص القدرات العسكرية لحزب الله، بل استطاعت أن تحقق بعض الإنجازات التحتية على الأرض دون القدرة على السيطرة البقعية، وهي لم تنجح بصورة نهائية في إلغاء البيئة العملياتية التي تسمح بإعادة تشكيل المناطق النموذجية.وهنا تكمن الفجوة بين الإنجاز التكتيكي والإنجاز الاستراتيجي.

من الناحية النظرية، تقوم فكرة المنطقة النموذجية على اختيار نطاق جغرافي محدد يتم فيه تطبيق ترتيبات أمنية وإدارية وتنموية بصورة مكثفة، ثم تعميم التجربة لاحقاً على بقية المناطق. واختيار منطقة الشقيف والزواطر كنقطة انطلاق ليس تفصيلاً تقنياً، بل يعكس، كما يقول العميد حلال، إدراكاً أميركية واسرائيليا لأهمية هذه المنطقة في معادلة الأمن الحدودي، فالمنطقة تقع عند تقاطع جغرافي وعسكري يسمح باختبار فعالية أي نموذج أمني جديد قبل توسيعه، وبالتالي فإن المنطقة النموذجية ليست مشروعاً إنمائياً فقط، بل مختبر سياسي وأمني لاختبار إمكانية إنتاج جنوب مختلف عن البيئة التي نشأت بعد عام 2000 ( شرط أن لا يكون جنوبا يتشابه مع البيئة التي كانت في ظل الاحتلال قبل عام 2000) .

في حال تطبيق المشروع، سيصبح الجيش كما يشير العميد حلال في قراءته، الركيزة التنفيذية الأساسية،غير أن الدور المتوقع يتجاوز الانتشار التقليدي نحو ثلاث وظائف متوازية وهي أولاً: احتكار الوجود العسكري المنظم في المنطقة، (والاجدى وفق استراتيجية دفاعية متوافق عليها وطنيا ).ثانياً: إدارة الأمن المحلي وضبط المنطقة بشكل عملاني.ثالثاً: توفير الضمانة السياسية لعودة السكان وإعادة إعمار البنية التحتية. لكن نجاح هذا الدور يبقى مرتبطاً بعامل أساسي يتمثل في حجم التوافق الوطني حول وظيفة الجيش وحدود مهمته. ففي المجتمعات المنقسمة، لا يكفي امتلاك القوة القانونية، بل يحتاج الجيش أيضاً إلى شرعية سياسية واجتماعية واسعة.

في الأدبيات الحديثة لمكافحة الاحتلالات والصراعات، تعتبر عودة السكان أحد أهم مؤشرات النجاح، لذلك فإن مشروع المنطقة النموذجية يقوم، كما يقول حلال، على معادلة ثلاثية: الأمن (لكن دون ضمانات) – السكان – التنمية (بلا وعود واضحة).فالهدف ليس فقط منع النشاط العسكري، بل إعادة إنتاج دورة حياة طبيعية تجعل السكان شركاء في الاستقرار. ومن المتوقع أن تترافق الخطة مع إعادة الخدمات الأساسية،ترميم البنية التحتية،دعم الزراعة والاقتصاد المحلي،إعادة المؤسسات التعليمية والصحية،توفير ضمانات أمنية للمدنيين،وبذلك تتحول التنمية إلى أداة أمنية غير مباشرة.مع الاشارة الى نتائج جولة المفاوضات الأخيرة لم توضح آليات التنفيذ والضمانات لذا فهي أهداف نظرية حتى الآن.

يبقى أن الهدف النهائي للخطة لا يقتصر على الشقيف أو الزواطر،بل يتمثل بحسب العميد حلال، في تعميم نموذج أمني وإداري جديد على كامل الجنوب. ومن منظور جيواستراتيجي، يمكن قراءة المشروع باعتباره محاولة للانتقال من منطق “إدارة الصراع” إلى منطق “إدارة المجال الحدودي”، أي تحويل الحدود من ساحة اشتباك دائم إلى مساحة تخضع لمقتضيات التفاوض المباشر الجاري حاليا ونتائجه.

وبناء على ما تقدم ذلك يقول العميد حلال يمكن تحديد خمسة أهداف رئيسية هي تعزيز سلطة الدولة اللبنانية جنوباً، تقليص احتمالات التصعيد العسكري، توفير بيئة مستقرة للاستثمار وإعادة الإعمار، تخفيف الضغوط الدولية المتعلقة بالسلاح غير الرسمي وبناء إطار تفاوضي طويل الأمد حول الأمن الحدودي.لكن هذه الأهداف لا تعني بالضرورة توافق جميع الأطراف على تفسير المشروع أو غاياته النهائية، وكما يقول العميد حلال ، هناك تحديات تواجه التنفيذ وهي:استمرار الحروب العسكرية الإسرائيلية.أزمة الثقة بين الدولة والمكونات الوطنية. الانقسام اللبناني حول مفهوم المقاومة ودورها ولو أن نسبة الرافضين لدورها اقل من المؤيدين.ضعف الموارد الاقتصادية للدولة.ارتباط الجنوب اللبناني بالتوازنات الإقليمية، ولا سيما العلاقة بين إسرائيل وإيران.وهذا العامل الأخير يجعل أي ترتيبات محلية عرضة للتأثر بالتطورات الإقليمية.

وسط ما تقدم يستحضر كثير من اللبنانيين تجربة اتفاق أوسلو عند الحديث عن أي ترتيبات أمنية جديدة،لكن المقارنة تحتاج إلى دقة علمية. ففي الحالة الفلسطينية، أدى أوسلو إلى إنشاء سلطة محدودة الصلاحيات ضمن إطار احتلال مستمر، فيما بقيت القضايا الجوهرية معلقة،أما في الحالة اللبنانية، فإن الدولة، كما يقول العميد حلال، قائمة ومعترف بها دولياً وتمتلك مؤسسات سيادية وجيشاً وطنياً. ومع ذلك، فإن مصدر القلق الحقيقي لا يكمن في التشابه القانوني مع أوسلو، بل في احتمال أن تتحول الترتيبات الأمنية المؤقتة إلى واقع دائم من دون معالجة جذور الصراع، فإذا اقتصرت الخطة على الجانب الأمني فقط، فقد تواجه المصير ذاته الذي واجهته تجارب كثيرة في الشرق الأوسط، أما إذا اقترنت بسيادة فعلية وتنمية اقتصادية واستقرار سياسي، فقد تشكل مدخلاً مختلفاً تماماً.

إن مشروع المنطقة النموذجية يمثل اختباراً لمستقبل العلاقة بين الدولة والمجتمع والمقاومة والحدود فهل تستطيع الدولة إنتاج نموذج أمني يحظى بالشرعية الوطنية ويؤمن الاستقرار من دون أن يتحول إلى أداة صراع داخلي أو امتداد لصراعات الإقليم؟

إن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ليس فقط مستقبل الشقيف والزواطر، بل مستقبل الجنوب ولبنان بأسره خلال السنوات المقبلة.