معادلة بري تحكم المشهد.. هل بات التصعيد ممنوعاً على “حزب الله”؟

لم تعد التحديات التي يواجهها “حزب الله” مقتصرة على التطورات العسكرية مع إسرائيل، بل باتت تشمل أيضاً علاقته بالدولة اللبنانية ومؤسساتها، في ظل التحولات السياسية والأمنية التي فرضتها الحرب، إلى جانب الضغوط المرتبطة بالتحقيقات القضائية في قضية شحنة متفجرات ضهر البيدر، وما يثار بشأنها من تساؤلات حول الجهات المعنية بها.

 

ويأتي ذلك في وقت يشهد فيه الداخل اللبناني تباينات بشأن مستقبل سلاح الحزب ودوره العسكري، وسط مخاوف لدى مكونات سياسية وشعبية مختلفة، بما فيها شرائح من البيئة الشيعية، من الانجرار إلى مواجهة جديدة مع إسرائيل، في ظل التوتر الإقليمي بين إيران والولايات المتحدة، بالتوازي مع الانتخابات الإسرائيلية التي لم تفرز صورة محسومة للحكم في تل أبيب.

 

وفي ظل هذه المعطيات، يبرز تساؤل بشأن طبيعة الخيارات المتاحة أمام “حزب الله” إذا تصاعد الخلاف بينه وبين الدولة حول القرارات العسكرية والأمنية. ففي حال قرر الحزب دخول الحرب مجدداً، قد تكون التداعيات الداخلية كبيرة، إذ ستبرز اتهامات له بتجاوز قرارات الدولة وربط مساره العسكري بالتطورات الإقليمية، خصوصاً إذا فتح جبهة مع إسرائيل بالتزامن مع أي هجمات قد تستهدف إيران.

 

وفي هذا السياق، فإن أي خطوة عسكرية من جانب الحزب قد تواجه اعتراضات سياسية داخلية واسعة، ما يضع علاقاته مع القوى اللبنانية الأخرى أمام اختبار جديد، ويزيد من تعقيد خياراته خلال المرحلة المقبلة.

 

لكن في المقابل، فإن القوى السياسية اللبنانية، على اختلاف مواقفها من الحزب، لا تبدو راغبة في الدخول في مواجهة مسلحة داخلية، نظراً إلى ما قد يترتب على ذلك من إضعاف لمؤسسات الدولة وتهديد للاستقرار. وعليه، فإن أي خلاف مع الحزب قد يأخذ طابعاً سياسياً ومؤسساتياً، خصوصاً إذا ارتبط بقرارات تتخذها الحكومة أو بإجراءات ينفذها الجيش والأجهزة الأمنية.

 

 

وتبرز هنا معادلة إضافية تتعلق بموقف رئيس مجلس النواب نبيه بري، إذ إن أي محاولة من قبل “الحزب” للتصعيد الداخلي قد تؤدي أيضاً إلى توتر العلاقة مع بري، خصوصاً في ظل أهمية دوره السياسي وعلاقته بـ”حزب الله”، ما يجعل موقفه عاملاً أساسياً في تحديد مسار أي تحرك محتمل.

 

وفي هذا الإطار، يبرز عامل أساسي يرتبط بالتوازنات داخل الطائفة الشيعية، إذ أنه على “حزب الله” ضبط تحركاته السياسية والأمنية بما يتناسب مع الإيقاع العام للطائفة، وتحديداً موقف الرئيس بري. وعليه، فإن أي تصعيد أو خروج عن هذا التوازن قد يؤدي إلى تعميق التباينات داخل البيئة الشيعية، وإعادة إحياء خلافات جرى احتواؤها خلال السنوات الماضية، ما قد ينعكس على وحدة الموقف السياسي للطائفة ويدفع أطرافاً مختلفة إلى اتخاذ مواقف متباينة من خيارات “الحزب”.

 

ومن هنا، فإن الحفاظ على التفاهم مع بري لا يرتبط فقط بالعلاقة السياسية بين “حزب الله” وحركة أمل، بل أيضاً بتجنب أي انقسام داخل البيئة الشيعية في مرحلة تتزايد فيها الضغوط السياسية والأمنية.

 

وفي المقابل، تشير الأجواء المتداولة بشأن موقف “حزب الله” إلى عدم اتخاذ قرار بتحرك منظم في الشارع خلال المرحلة الحالية، وأن التحركات التي تحصل هنا وهناك لا تعكس بالضرورة توجهاً صادراً عن قيادة “الحزب”. وعليه، قد يستمر التعامل مع هذه التحركات بوصفها حالات فردية، ما لم تظهر معطيات تشير إلى خلاف ذلك.

 

وبذلك، لا تبدو المؤشرات الحالية متجهة نحو مواجهة شاملة مع العهد والحكومة، رغم استمرار الخلافات السياسية والأمنية. كذلك، فإن قدرة “الحزب” على حشد التأييد لأي تصعيد داخلي تبقى عاملاً مؤثراً في حساباته، خصوصاً في ظل الظروف التي تمر بها البلاد.

 

في المحصلة، يجد “حزب الله” نفسه أمام معادلة معقدة: تجنب مواجهة مع الدولة اللبنانية، والمحافظة على علاقته بالرئيس نبيه بري والتوازنات داخل الطائفة الشيعية، من دون التخلي عن مواقفه المتعلقة بسلاحه ودوره العسكري.

 

ورغم استمرار الخطاب السياسي المتشدد والتحذيرات التي يطلقها “الحزب” بشأن بعض الملفات، فإن المعطيات المتداولة توحي بأنه يميل حالياً إلى تجنب التصعيد الداخلي المباشر، ما يرجح استمرار الوضع القائم، بانتظار اتضاح مسار التطورات الإقليمية والعلاقة مع الدولة اللبنانية.