وأظهرت تجربة المناطق التجريبية أن انتشار الجيش لا يؤدي تلقائياً إلى إعادة البلدة إلى حياتها الطبيعية. ففي زوطر الغربية، دخلت الوحدات العسكرية بعد الانسحاب الإسرائيلي، لكن الدمار الواسع والأجسام غير المنفجرة أخّرا عودة معظم السكان. وبعد نحو أسبوع من بدء العملية، لم تكن قد عادت سوى قرابة 15 عائلة، فيما تعرض نحو نصف منازل البلدة البالغ عددها 500 منزل للدمار.
لكن زوطر ليست الحالة الوحيدة. فالمشكلة تمتد إلى عشرات القرى الواقعة داخل المنطقة التي أعلنتها إسرائيل “منطقة أمنية”، إضافة إلى بلدات يمكن أن تشملها الانسحابات المقبلة. وبعض هذه القرى لم يعد يضم عدداً كافياً من السكان أو الموظفين البلديين، بينما تضررت مراكز رسمية وشبكات مياه وكهرباء وطرق تربط الأحياء بعضها ببعض.
ماذا يفعل الجيش؟
مصدر أمني أكّد لـ”لبنان24″ إن الجيش عزز وجوده في عدد من القرى المشمولة بالمناطق التجريبية، ومنها فرون والغندورية، عبر تسيير الدوريات وإقامة الحواجز ونقاط المراقبة. وأوضح المصدر أن هذه الإجراءات تتركز في القرى التي لا يوجد فيها الجيش الإسرائيلي، فيما يبقى انتشار الجيش اللبناني داخل المناطق المحتلة مرتبطاً بانسحاب القوات الإسرائيلية منها. وتتيح الحواجز للجيش مراقبة مداخل البلدات وتنظيم حركة الدخول والخروج، لكنها لا تحل وحدها مشكلة حماية مئات المنازل والأراضي الزراعية والمرافق المنتشرة على مساحات واسعة. كما لا يستطيع الجيش إعادة السكان قبل استكمال عمليات المسح والتأكد من سلامة الطرق والمنازل من الذخائر والأجسام المشبوهة.
وكان الجيش قد أعلن أن استمرار القصف والتجريف وإطلاق النار الإسرائيلي يعرقل انتشاره الكامل ويمنع عودة السكان. وتكررت حوادث إطلاق النار قرب مواقع عسكرية لبنانية، إلى جانب عمليات تفجير منازل في مناطق كان يفترض أن تشملها ترتيبات التهدئة.
وجاءت الغارة على بلدة أنصار، السبت، والتي أدت إلى استشهاد وجرح عدد من المواطنين، لتؤكد أن الخطر لا يقتصر على البلدات الواقعة داخل خط الاحتلال. فبقاء الغارات ممكناً يعني أن أي خطة للعودة يمكن أن تتعطل بقرار إسرائيلي جديد أو باتهام أمني لا يملك لبنان وسيلة مستقلة للتحقق منه.
الأخطار لا تقتصر على السرقة
من ناحية أخرى يقول المصدر الامني لـ”لبنان24″ إنّه لا توجد حتى الآن أرقام رسمية تسمح بالقول إن قرى الجنوب تشهد موجة سرقات منظمة. لذلك لا يمكن تقديم السرقة باعتبارها خطراً واقعاً في كافة البلدات، لكنها تبقى احتمالاً أمنياً في المناطق التي تخلو من سكانها لفترات طويلة.
ويضيف:” الخطر الأكثر ثبوتاً يتعلق بالذخائر غير المنفجرة، ودخول أشخاص إلى مبانٍ متصدعة، واندلاع الحرائق من دون قدرة فرق الدفاع المدني على الوصول سريعاً، إضافة إلى استمرار أعمال الهدم والقصف. وقال مسؤول الدفاع المدني في النبطية حسين فقيه إن ما بين 30 و40 في المئة من الأراضي القريبة من خطوط المواجهة تأثر بالحرائق. كما أوضح أن عناصر الإطفاء يحتاجون إلى تنسيق تحركاتهم مع الجيش اللبناني، الذي ينقل الطلب إلى لجنة تضم الجانب الإسرائيلي، ولا يحصلون دائماً على إذن للوصول إلى كافة المواقع المشتعلة.
وهذا يعني أن وجود الجيش داخل البلدة لا يمنحه بالضرورة القدرة على تأمين كل أطرافها أو إدخال فرق الإنقاذ إليها. فقد تكون الطريق مفتوحة عسكرياً، فيما تبقى الأرض الزراعية أو الغابة أو الحي السكني خارج نطاق الوصول الآمن.
من يدخل المنازل؟
تزداد حساسية الملف مع البحث في تكليف جهة أجنبية بالتحقق من خلو القرى من أسلحة حزب الله، علما ان إسرائيل تطالب بأن تشمل عمليات التفتيش المنازل الخاصة، فيما يعترض الجيش اللبناني على تنفيذ عمليات واسعة من دون أذونات قضائية.
وأكد مسؤولون أمنيون أن دخول كل منزل يحتاج إلى مذكرة قضائية. كما لا تزال صلاحيات القوات الأجنبية المحتمل مشاركتها في عمليات التحقق، وحدود حرية حركتها داخل القرى، موضع نقاش.
من هنا، لا يقتصر السؤال على حماية المنازل من السرقة أو التخريب، بل يشمل أيضاً حمايتها من عمليات تفتيش غير محددة الصلاحيات. فوجود البلدة ضمن منطقة تجريبية لا يلغي الملكية الخاصة، ولا يمنح أي قوة محلية أو أجنبية حق دخول المنازل من دون مرجعية قانونية واضحة.
خطة قبل إعادة السكان
يحتاج تسلّم كل بلدة إلى بروتوكول أمني ومدني يسبق إعلانها جاهزة للعودة. ويبدأ ذلك بخريطة تحدد المنطقة التي انسحب منها الجيش الإسرائيلي فعلياً، والطرقات التي فحصها الجيش، والأحياء التي ما زالت خطرة. كما يفترض إعداد سجل لحالة المنازل والمرافق عند لحظة التسلّم، حتى يمكن تحديد المسؤولية عن أي دمار أو حريق أو فقدان للممتلكات يقع لاحقاً. ومن الضروري أيضاً تسجيل الأشخاص والآليات التي تدخل خلال المرحلة الأولى، وحصر عمليات التفتيش بالجيش وبموجب الأصول القضائية.
أما إزالة الذخائر، فلا يمكن التعامل معها بوصفها مهمة قصيرة. فعمليات الجيش المستمرة في القليلة والمنصوري ودير قانون رأس العين ومارون الراس وغيرها تظهر أن مخلفات الحرب موزعة على نطاق واسع، وأن تنظيف الطرق الرئيسية لا يعني أن المنازل والحقول أصبحت آمنة. المطلوب إذاً ليس فقط إرسال دورية ورفع العلم عند مدخل البلدة. فالسيطرة العسكرية تظل ناقصة إذا بقي السكان نازحين، والبلدية معطلة، والمياه والكهرباء مقطوعتين، وفرق الإنقاذ عاجزة عن الوصول.
ويُقاس نجاح أي انسحاب بقدرة الناس على العودة والإقامة والعمل داخل قراهم، لا بمجرد انتقال الموقع العسكري من يد إلى أخرى. أما تسلّم بلدات خالية ومدمرة، من دون خطة لحمايتها وإعادة سكانها، فيعني أن الدولة استعادت الأرض على الخريطة، لكنها لم تستعد الحياة عليها بعد.












اترك ردك