وعليه، فقد عاد ملف حصرية السلاح بيد الدولة إلى واجهة النقاش السياسي في لبنان مع تصاعد الضغوط الدولية والإقليمية الرامية إلى تثبيت الاستقرار في الجنوب وإعادة رسم قواعد المرحلة المقبلة. وبين من يعتقد أن الوقت حان لطيّ صفحة السلاح خارج الشرعية، ومن يرى أن الظروف الداخلية والإقليمية لا تزال تحول دون ذلك، يبرز سؤال جوهري عن إمكانية إقناع “حزب الله” بالتخلي عن سلاحه، ومن هي الجهة القادرة على تحقيق هذا التحول التاريخي. فالقضية، في رأي كثيرين، لم تعد مرتبطة فقط بموازين القوى العسكرية، بل باتت تتصل بمستقبل الدولة اللبنانية نفسها وبقدرتها على استعادة دورها واحتضان جميع مكوناتها ضمن مشروع وطني جامع.
إن التجارب اللبنانية والإقليمية تشير إلى أن أي محاولة جدية لإقناع “حزب الله” بالتخلي عن سلاحه من تلقاء نفسه، تحتاج إلى توافر عدة عوامل متزامنة، ومن بينها ما يلي:
أولاً، لا يبدو أن الضغوط الخارجية وحدها قادرة على تحقيق هذا الهدف. فعلى مدى سنوات طويلة، تعرض “الحزب” لعقوبات وضغوط سياسية وأمنية، لكنه لم يتخلَّ عن سلاحه. بل إن الضغوط الخارجية غالباً ما تعزز لدى جمهوره شعوراً بأنه مستهدف، فتدفعه إلى مزيد من التمسك بخياراته.
ثانياً، إن الدولة اللبنانية نفسها لا تستطيع إقناع الحزب إذا بقيت دولة ضعيفة وعاجزة عن توفير الأمن والاستقرار والعدالة والتنمية لجميع مواطنيها. فمنطق أي تنظيم مسلح يقوم جزئياً على القول إن الدولة غير قادرة على أداء وظائفها الأساسية. لذلك فإن بناء دولة قوية وفاعلة هو الشرط الأول لأي انتقال تدريجي نحو حصرية السلاح بيد المؤسسات الشرعية.
ثالثاً، الجهة الأكثر قدرة على التأثير في قرار “الحزب” هي البيئة السياسية والاجتماعية الحاضنة له. فالتغييرات الكبرى في تاريخ الحركات السياسية لا تحصل عادة تحت ضغط الخصوم، بل عندما تقتنع القواعد الشعبية بأن مصالحها باتت تتحقق بصورة أفضل عبر الدولة والمؤسسات منها عبر الأطر العسكرية أو الحزبية المسلحة.
رابعاً، لا يمكن تجاهل البعد الإقليمي. فـ “الحزب” يعرّف عن نفسه، منذ تأسيسه، كجزء من محور إقليمي، وبالتالي فإن أي تحول جذري في موقعه سيبقى مرتبطاً بدرجة معينة بالتفاهمات والتحولات الإقليمية، ولا سيما في العلاقة بين القوى المؤثرة في المنطقة.
أما في شأن الجهة القادرة على إقناعه بالانخراط الكامل في مشروع الدولة، فربما تكون الإجابة الأقرب إلى الواقع تتمحور حول أمكانية توافق لبناني واسع مدعوم بغطاء عربي وإقليمي، ومقرون بدولة قادرة فعلاً على حماية جميع اللبنانيين من دون استثناء. ففي هذه الحالة يصبح الانتقال من منطق “الحماية الذاتية” إلى منطق “حماية الدولة” أكثر قابلية للنقاش والإقناع.
لكن يبقى التحدي الأساسي أن هذا الانتقال يحتاج إلى بناء ثقة متبادلة بين مختلف المكونات اللبنانية، لأن أي فريق يشعر بأنه مطلوب منه تقديم تنازلات استراتيجية من دون ضمانات مقابلة، سيجد صعوبة كبيرة في الإقدام على ذلك.
إن نجاح أي مشروع لحصرية السلاح بيد الدولة لا يتوقف فقط على اقتناع “حزب الله” بالتخلي عن سلاحه، بل أيضاً على قدرة الدولة اللبنانية على أن تكون وطناً جامعاً يشعر جميع أبنائه بأن أمنهم ومستقبلهم ومكانتهم مصونة في ظلها.
وهكذا، لا يبدو أن مسألة حصرية السلاح بيد الدولة يمكن أن تُحسم بالضغوط أو بالشعارات أو بالمواقف المتقابلة. فهي ترتبط أولاً وأخيراً بمسار طويل من بناء الثقة وإعادة الاعتبار للدولة ومؤسساتها. فكلما ازدادت الدولة قوة وعدالة وقدرة على حماية مواطنيها، تراجعت الحجج التي تبرر وجود أي سلاح خارج إطارها.
أما الرهان الحقيقي، فلا يكمن في من يفرض التغيير على “حزب الله”، بل في قدرة اللبنانيين جميعاً على إنتاج عقد وطني جديد يشعر فيه كل طرف بأن الدولة هي الضامن الوحيد لأمنه ومستقبله. عندها فقط يصبح الانتقال من منطق السلاح إلى منطق الدولة خياراً طبيعياً لا انتصاراً لفريق على آخر، بل انتصاراً للبنان نفسه بعد عقود طويلة من الانقسامات والرهانات المتضاربة.
وقد يكون انسحاب إسرائيل من الأراضي التي تحتلها في الجنوب، في رأي كثيرين، المدخل الطبيعي لحّل إشكالية سلاح “حزب الله”.
من يستطيع إقناع “حزب الله” بتسليم سلاحه برضاه؟

من يتجاهل أن موضوع سلاح “حزب الله” هو من بين المسائل الشائكة، التي تحول دون قيام الدولة بكل ما هو مطلوب منها سياسيًا وانمائيًا واقتصاديًا، يكون كمن يدفن رأسه بالرمل حتى لا يرى الحقيقة كما هي، وليس كما يُراد لها أن تكون، تمامًا كمن يتجاهل بأن إسرائيل، التي لا تزال تحتل قسمًا كبيرًا من الجنوب، هي مشكلة المشاكل.
ما رأيك؟
رائع0
لم يعجبني0
اعجبني0
غير راضي0
غير جيد0
لم افهم0
لا اهتم0










اترك ردك