معظم الإيرادات من الضرائب
استنادًا إلى أرقام المشروع، ترتفع الإيرادات والنفقات إلى 614.945 تريليون ليرة، مقابل 538.416 تريليونًا في موازنة 2026، أي بزيادة تقارب 14.2%، مع عجز مقدّر بصفر. غير أنّ قراءة تركيب الإيرادات تكشف اعتمادًا كبيرًا على الضرائب، التي تبلغ 528.223 تريليون ليرة، مقابل 86.722 تريليون ليرة للإيرادات غير الضريبيّة، أي نحو 85.9% من إجمالي الإيرادات العاديّة.
وتستحوذ الرسوم الداخليّة على السلع والخدمات على الحصّة الأكبر بنحو 321.426 تريليون ليرة، تليها ضريبة القيمة المضافة بنحو 205.666 تريليونًا، فيما تبلغ ضريبة الدخل والأرباح ورؤوس الأموال 79.604 تريليونًا، وضريبة الأملاك 34.048 تريليونًا، والرسوم على التجارة والمبادلات الدوليّة 66.944 تريليونًا.
في المقابل، لا تتجاوز الإيرادات غير الضريبيّة 86.722 تريليون ليرة، يتركّز الجزء الأكبر منها في عائدات الإدارات والمؤسّسات العامّة وأملاك الدولة بنحو 66.651 تريليون ليرة، والرسوم والعائدات الإداريّة والمبيعات بنحو 17.314 تريليونًا، فيما يتضمّن المشروع 1.429 تريليون ليرة من تسوية مخالفات الأملاك البحريّة. وتكشف هذه التركيبة محدوديّة تنويع مصادر الإيرادات، وفق مصادر اقتصادية، كما تبقي الماليّة العامّة معتمدة بدرجة كبيرة على الضرائب، في وقت تحتاج فيه الدولة إلى تحسين تحصيل المستحقّات، وتوسيع الإيرادات غير الضريبيّة، وتعزيز استثمار أملاكها ومرافقها، بالتوازي مع مكافحة التهرّب الضريبي.
استثمار محدود
تظهر أرقام الموازنة ثقل النفقات الجاريّة، ولا سيّما الرواتب والتقديمات الاجتماعيّة والتقاعد، إذ تبلغ التقديمات الاجتماعيّة نحو 177.8 تريليون ليرة، والرواتب وملحقاتها نحو 151.5 تريليونًا، ما يعني توجيه أكثر من نصف الإنفاق العام إلى الأجور والتقاعد والمساعدات الاجتماعيّة، في مقابل حيّز محدود للإنفاق الاستثماري. وتكتسب هذه التركيبة دلالة إضافيّة عند النظر إلى مصدر الإيرادات، إذ ترتفع ضريبة الرواتب والأجور بنسبة 66%، مقابل 22% لضريبة الأرباح، فيما تنخفض ضرائب الثروة بنحو 23.1 مليون دولار وتتراجع حصّتها من 9.2% إلى 7.3%. وبذلك، يبرز اختلال بين العبء الضريبي ونوعيّة الإنفاق، فجزء كبير من الإيرادات يأتي من ضرائب يتحمّلها الأفراد والاقتصاد، فيما يذهب القسم الأكبر من الإنفاق إلى التزامات جاريّة، ولا تبقى للموازنة مساحة كافية لتوجيه الموارد نحو الاستثمار والإصلاح ودعم النمو.
لا قطع حساب..ومطالبات بضريبة أكثر عدالة وشفافيّة
لم تمر صورة العجز الصفري من دون اعتراضات. فقد رأت كلّ من “المفكّرة القانونيّة” و”مبادرة سياسات الغد” و”الجمعيّة اللبنانيّة لحقوق المكلّفين”، في بيان مشترك، أنّ تسجيل عجز صفري لا يعكس كامل وضع الماليّة العامّة، في ظلّ عدم إدراج كلفة الدين العام المتعثّر وخدمته، والمتأخّرات، وبعض الالتزامات القائمة. وبحسب الجمعيّات، فإنّ توقّف الدولة عن السداد لا يلغي التزامها المالي، وبالتالي فإنّ غياب هذه الكلفة عن جداول الموازنة لا يعني زوالها.
وطالبت الجمعيّات بعدم إحالة المشروع قبل تقديم قطع حساب عام 2025 ونتائج تنفيذ موازنة 2026، ونشر بيانات الدين والمتأخّرات وتوزيع الإيرادات والنفقات بحسب العملة، إلى جانب إقرار مسار ملزم للضريبة الموحّدة والتصاعديّة على الدخل، وتشديد مكافحة التهرّب الضريبي.
في المحصّلة، لا تكمن دلالة موازنة 2027 في رقم العجز وحده، بل في الاتجاه الذي ترسمه للماليّة العامّة. فحين تأتي الحصّة الأكبر من الإيرادات من الضرائب، بينما يتركّز الإنفاق في الالتزامات الجاريّة، يتقلّص الهامش المتاح للاستثمار وتحفيز النمو. ومن هنا، يبقى التحدّي في إعادة ترتيب أولويّات الموازنة، بحيث تتحوّل الموارد من مجرّد تغطية الأعباء القائمة إلى تمويل الإصلاح والمشاريع المنتجة، بالتوازي مع توسيع قاعدة الإيرادات، بدل زيادة الأعباء على المكلّفين.











اترك ردك