موازنة 2027… عندما تتحوّل الحكومة إلى جابية ضرائب

قد يكون من السهل على أي حكومة أن تقول إنها تريد زيادة الإيرادات، وقد يكون من الأسهل عليها أن تلاحق المتخلّفين عن دفع الضرائب والرسوم، وأن تشدد الرقابة على الشركات والمكلفين، وأن تبحث عن مصادر جديدة للجباية. لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح عند قراءة مشروع موازنة 2027 ليس فقط كم ستحصل الدولة من جيوب المكلفين، بل: أين هي الإصلاحات التي تجعل المواطن يدفع من دون مقابل؟

من هذه الزاوية، تبدو موازنة 2027، وفق الإجراءات المالية التي أعدتها وزارة المالية، أقرب إلى موازنة جباية محسّنة منها إلى موازنة إصلاح مالي متكامل. فالمشروع يذهب بوضوح نحو توسيع قاعدة الامتثال الضريبي، وتشديد شروط الاستفادة من الإعفاءات، وربط بعض الخدمات العامة بتسديد الضرائب، وإخضاع الخدمات الرقمية المقدمة من شركات غير مقيمة لموجبات ضريبية، إضافة إلى وضع إيرادات المرافئ تحت رقابة أكبر للخزينة. وكل ذلك قد يكون ضروريًا، لكن زيادة التحصيل لا تعني تلقائيًا أن المالية العامة أصبحت أكثر صحة.

المشكلة اللبنانية لم تكن يومًا أن الدولة لا تعرف كيف تفرض الرسوم والضرائب، بل أن الدولة عانت لعقود من ضعف الجباية، والتهرب، والهدر، والإنفاق غير المنتج، وتضخم القطاع العام، وسوء إدارة المؤسسات والمرافق العامة، إضافة إلى أزمة الدين العام التي دفعت الاقتصاد والمالية العامة إلى الانهيار. لذلك فإن معالجة جانب الإيرادات وحده تشبه معالجة نصف المرض وترك النصف الآخر من دون علاج.

والأخطر أن يتحول المواطن والشركات إلى الحلقة الأسهل في السياسة المالية. فالمشروع يمنح الحكومة أدوات أكثر تشددًا لتحصيل المستحقات، إلى درجة إمكانية وقف بعض الخدمات أو المعاملات عن أشخاص أو شركات لم تسدد ما عليها. قد تكون هذه الآلية فعالة في مكافحة التهرب، لكنها تطرح سؤالًا أساسيًا: هل ستستخدم الدولة القوة نفسها في مكافحة الهدر والفساد وسوء الإدارة التي تستخدمها في تحصيل الضرائب؟

فالعدالة الضريبية لا تعني فقط أن يدفع المكلّف ما عليه، بل أن يطمئن أيضًا إلى أن المال الذي دفعه لا يضيع في شبكة من النفقات غير الضرورية أو المؤسسات الخاسرة أو القرارات المالية غير المدروسة. ولا يمكن أن تطلب الدولة من المواطن المزيد من الالتزام فيما لا يرى إصلاحًا موازيًا في طريقة إنفاق المال العام.

ويبرز هنا ملف المرافئ. إن إخضاع إيرادات مرافئ بيروت وطرابلس وصيدا وصور لآلية أكثر انتظامًا وتحويل فوائضها إلى الخزينة يمكن أن يكون خطوة صحيحة من حيث المبدأ، لأن المال العام يجب أن يدخل إلى الخزينة وأن يخضع للرقابة. لكن السؤال الحقيقي لا ينتهي عند تحويل الإيرادات. المطلوب معرفة حجم هذه الإيرادات، وحجم النفقات التشغيلية، وكيف تُدار المرافئ، وما هي كلفة كل خدمة، وما هو العائد الفعلي على الدولة، ولماذا لا تتحول المرافق العامة إلى مؤسسات منتجة قادرة على تمويل نفسها والمساهمة في المالية العامة. وهنا تحديدًا يظهر الفرق بين إدارة المال العام وإصلاح المال العام.

فإدارة المال تعني أن تعرف الدولة أين تضع الإيرادات وكيف تحولها إلى الخزينة. أما الإصلاح فيعني أن تعيد النظر في طريقة إنتاج الإيرادات والإنفاق معًا، وأن تقيس أداء المؤسسات، وأن توقف النزف، وأن تجعل كل مؤسسة عامة مسؤولة عن نتائجها المالية والإدارية.

أما في ملف الإعفاءات الضريبية، فإن إلزام المستفيدين بتقديم التصاريح والبيانات السنوية يبدو منطقيًا وضروريًا لمكافحة التحايل. لكن هذه الخطوة يجب ألا تتحول إلى مجرد وسيلة أخرى لزيادة التحصيل، بل ينبغي أن تترافق مع مراجعة شاملة لخريطة الإعفاءات نفسها. من يحصل على الإعفاء؟ لماذا؟ إلى متى؟ وما العائد الاقتصادي والاجتماعي منه؟ وكم تخسر الخزينة سنويًا بسبب هذه الإعفاءات؟ هذه الأسئلة هي أهم من مجرد مطالبة المستفيد بتقديم التصريح.

والأمر نفسه ينطبق على الاقتصاد الرقمي. فمن الطبيعي أن تسعى وزارة المالية إلى سد الثغرات التي أوجدها الاقتصاد الرقمي، خصوصًا عندما تبيع شركات خارج لبنان خدماتها لمستهلكين داخل البلد. لكن توسيع المظلة الضريبية يجب أن يكون جزءًا من رؤية اقتصادية أوسع، لا مجرد البحث عن كل منفذ يمكن أن تدخل منه ضريبة جديدة. فلبنان يحتاج أيضًا إلى بيئة أعمال قادرة على جذب الشركات والاستثمارات، وليس إلى نظام ضريبي يزداد تعقيدًا عامًا بعد عام من دون تبسيط حقيقي للإدارة الضريبية.

والسؤال الأكبر يبقى غائبًا عن هذه الصورة: أين هو الإصلاح، وأين هي خطة خفض النفقات غير المنتجة، أين هو إصلاح المؤسسات العامة، أين هي معالجة الخسائر المزمنة، أين هو تحديث الإدارة، أين هو ربط الإنفاق بالنتائج، أين هي الأولوية للاستثمار في البنية التحتية والخدمات التي يحتاج إليها الاقتصاد بدلًا من استمرار الإنفاق الذي لا يؤدي إلى أي نمو؟

إذا كانت الحكومة تريد أن تبني مالية عامة سليمة، فلا يكفي أن تقول للمواطن: ادفع أكثر والتزم أكثر. عليها أن تقول له في المقابل: سندير مالك بصورة أفضل، وسنحاسب من يهدره، وسنقيس نتائج كل ليرة تنفقها الدولة. (يتبع)