من هنا، جاء إعلانه في 5 تشرين الأول أن إسرائيل ستواصل استهداف “حزب الله”، بالتوازي مع العمل على خلق ما سمّاه “فرصة للسلام” مع لبنان. وهذه معادلة تختصر مقاربته للمرحلة: استمرار العمليات العسكرية، تثبيت السيطرة الميدانية، ومنع أي انسحاب مجاني، في مقابل إبقاء باب التسوية مفتوحاً وفق الشروط الإسرائيلية.
المسألة تتجاوز موقفاً عسكرياً أو تصريحاً مرتبطاً بذكرى هجوم 7 تشرين الأول. نتنياهو يريد إدخال لبنان في صلب حملته، تماماً كما يستحضر إيران وغزة، ليقول للناخب الإسرائيلي إنه لم يكتفِ بإدارة الحرب، بل نجح في تغيير البيئة الإقليمية المحيطة بإسرائيل.
إلا أن الوقائع الانتخابية لا تمنحه أفضلية مريحة. ففي استطلاع نشر في الأول من تشرين الأول، حصل معسكر نتنياهو على 53 مقعداً، مقابل 49 للأحزاب اليهودية المعارضة، بينما نالت الأحزاب العربية 13 مقعداً، وحصلت قائمة غير محسوبة على المعسكرين على 5 مقاعد.
وتعادل حزب “الليكود” وحزب “ياشار” بقيادة غادي إيزنكوت عند 21 مقعداً لكل منهما. أما استطلاع القناة 13، فمنح معسكر نتنياهو 54 مقعداً، في مقابل 52 للمعارضة و14 للأحزاب العربية.
وفي استطلاع “معاريف” المنشور في 2 تشرين الأول، حصل معسكر نتنياهو على 51 مقعداً، مقابل 53 للمعارضة. بينما وضع متوسط آخر عشرة استطلاعات، المحدّث في 5 تشرين الأول، “الليكود” عند 23 مقعداً و”ياشار” عند 22، مانحاً معسكر نتنياهو 52 مقعداً مقابل 50 لمعسكر التغيير و13 للأحزاب العربية.
تعني هذه الأرقام أن نتنياهو لا يزال قادراً على العودة، لكنه غير قادر على ضمانها. ولذلك يحتاج إلى إبقاء النقاش الإسرائيلي محصوراً في الأمن، وإبعاد الحملة قدر الإمكان عن ملفات المسؤولية عن السابع من تشرين الأول، والانقسام الداخلي، والتجنيد، وكلفة المعيشة.
هنا يأتي دور لبنان، اذ يقدّم نتنياهو العمليات في الجنوب بوصفها نموذجاً على سياسته: لا وقف كاملاً للنار، ولا انسحاب قبل انتزاع الضمانات، ولا فصل بين الضغط العسكري والمسار السياسي. وهو يريد القول إن استمرار احتلال مواقع داخل الأراضي اللبنانية، وتنفيذ الغارات وعمليات الهدم، يشكل شبكة أمان للمستوطنات الشمالية وورقة ضغط على الحكومة اللبنانية والوسطاء في الوقت نفسه.
أما الحديث عن “فرصة للسلام”، فلا يعني أن نتنياهو يتجه إلى خفض التصعيد. على العكس، هو يربط التسوية باستمرار القوة، ويطلب من الناخب منحه تفويضاً جديداً لاستكمال هذه السياسة. فالسلام، وفق معادلته، لا يأتي بديلاً من الحرب، بل نتيجة لها وبالشروط التي تنتجها.
يعرف نتنياهو أيضاً أن منافسه الأساسي ليس شخصية مدنية يمكن التشكيك في خبرتها الأمنية. إيزنكوت رئيس أركان سابق وقائد سابق للمنطقة الشمالية. ولذلك لا يستطيع نتنياهو خوض المعركة معه على أساس الاختيار بين الأمن والسياسة، بل يسعى إلى تقديمه بوصفه أقل جرأة في استخدام القوة، أو غير قادر على حماية “الإنجازات” التي حققتها الحكومة في لبنان.
في المقابل، يركز إيزنكوت على أن نتنياهو لم يحول التفوق العسكري إلى نتائج سياسية دائمة، وأن استمرار التهديد على الجبهة الشمالية يدل على غياب استراتيجية واضحة لمرحلة ما بعد العمليات.
بذلك، لا يدور الخلاف بين الرجلين حول وقف الضغط على لبنان، بل حول كيفية إدارته والاستفادة منه. نتنياهو يفضّل إبقاء الميدان مفتوحاً واستخدام العمليات لرفع سقف التفاوض، بينما يحاول إيزنكوت إقناع الناخب بأنه قادر على تحويل القوة إلى اتفاق أكثر استقراراً.
بالنسبة إلى لبنان، تفرض هذه الحسابات مرحلة من الانتظار المقلق. فمن الصعب أن يقدم نتنياهو، قبل الانتخابات، على انسحاب واسع يمكن لخصومه تصويره كتراجع. والأرجح أن يحاول الحفاظ على المواقع التي يحتلها، ومواصلة العمليات المحدودة، وإظهار أن الجيش الإسرائيلي لا يزال ممسكاً بالمبادرة.
لا يعني ذلك أن كل غارة تُنفذ لأهداف انتخابية. لكن اقتراب موعد الاقتراع يجعل أي تراجع أكثر كلفة على نتنياهو، وأي تصعيد محدود أكثر قابلية للاستثمار في الداخل.
وعليه، لا يستدعي نتنياهو لبنان لأنه يملك تسوية جاهزة، بل لأنه يحتاج إلى جبهة تثبت أن إسرائيل، بقيادته، لا تزال قادرة على الضرب وفرض الشروط. أما السلام الذي يتحدث عنه، فيبقى عنواناً مؤجلاً إلى ما بعد الانتخابات، فيما يدفع الجنوب كلفة الوقت الإسرائيلي الضائع بين المعركة على الأرض والمعركة على الحكم.










اترك ردك