فـ “الوكالة الوطنية للإعلام” ليست مؤسسة عادية في الإدارة اللبنانية. إنها المؤسسة التي واكبت الحروب والأزمات والانقسامات، ونقلت يوميات الدولة اللبنانية في أحلك الظروف. وقد عمل فيها عشرات الموظفين والمتعاقدين بإمكانات متواضعة، لكن بإيمان كبير برسالتهم المهنية والوطنية، فحافظوا على استمرارية المرفق العام عندما كانت مؤسسات كثيرة تتعثر أو تتوقف.
غير أن كثيرين من هؤلاء أنهوا خدماتهم قبل أن تبدأ الدولة التفكير في تنظيم أوضاع المتعاقدين وإنصافهم. بعضهم تقاعد، وبعضهم غادر بسبب بلوغ السن القانونية أو لأسباب إدارية، بعدما أمضى سنوات طويلة في خدمة الإعلام الرسمي. ومن هنا يبرز السؤال المشروع: هل يحق لهؤلاء أن يستفيدوا من القانون الجديد إذا أُقر؟
من الناحية القانونية، لا يكفي أن يكون الهدف من القانون هو تحقيق العدالة. فالأصل في التشريعات أنها تسري على المستقبل، ولا تمتد آثارها إلى الماضي إلا إذا نص المشترع صراحة على ذلك. لذلك، فإن أي حديث عن استفادة من أنهوا خدماتهم يبقى مرتبطًا بالنص النهائي للقانون، لا بالنوايا أو بالتفسيرات.
فإذا تضمّن القانون مادة انتقالية تمنح مفعولًا رجعيًا، أو نصّ على احتساب سنوات الخدمة السابقة للعاملين الذين انتهت خدماتهم ضمن شروط محددة، يصبح هؤلاء مشمولين بأحكامه. أما إذا خلا من مثل هذا النص، فمن المرجح أن تقتصر الاستفادة على المتعاقدين الذين لا يزالون في الخدمة عند دخوله حيّز التنفيذ.
لكن المسألة لا ينبغي أن تُختزل في القراءة القانونية وحدها، بل يجب أن تُنظر إليها من زاوية العدالة والإنصاف أيضًا. فهل يُعقل أن يستفيد من القانون من أمضى سنوات قليلة في الخدمة، فيما يُحرم من أفنى عمره المهني في “الوكالة الوطنية للإعلام” لأنه غادر قبل أشهر أو سنوات من صدور التشريع؟
إن المساواة تقتضي ألا يتحول تاريخ انتهاء الخدمة إلى معيار وحيد للفصل بين من يستحق ومن لا يستحق، خصوصًا إذا كانت طبيعة العمل واحدة، وسنوات الخدمة متقاربة، والواجبات التي أُديت متشابهة. فالقانون الذي يهدف إلى إزالة غبن تاريخي يفقد جزءًا من روحيته إذا استثنى الفئة التي تحملت القسم الأكبر من هذا الغبن.
ولا شك في أن أي مفعول رجعي يرتب أعباء مالية على الدولة، وهو ما قد يدفع البعض إلى الاعتراض عليه. غير أن المشرّع يستطيع، إذا توفرت الإرادة، أن يوازن بين مقتضيات المالية العامة وحقوق العاملين، عبر وضع ضوابط واضحة تحدد الفئات المشمولة وشروط الاستفادة وآليات التنفيذ، بما يحفظ المال العام ويحقق في الوقت نفسه قدرًا من العدالة.
لقد أثبت العاملون في “الوكالة الوطنية للإعلام”، سواء من لا يزالون في الخدمة أو ممن أنهوا مسيرتهم المهنية، أنهم كانوا جزءًا من صمود الدولة اللبنانية في أصعب مراحلها. واليوم، وبعدما أقر مشروع إنصاف المتعاقدين، تبدو الفرصة سانحة أمام مجلس النواب لكي يجيب عن سؤال يتجاوز النصوص القانونية: هل يكون القانون إنصافًا لفئة قائمة فقط، أم اعترافًا بجهود جميع الذين خدموا الإعلام الرسمي بإخلاص، حتى أولئك الذين غادروا قبل أن تطرق العدالة بابهم؟
إن العدالة الحقيقية لا تكتمل عندما تنصف الحاضر وحده، بل عندما تحفظ أيضًا حق الذين صنعوا هذا الحاضر ثم غادروا بصمت، تاركين خلفهم تاريخًا من الخدمة والتفاني يستحق أن يُترجم اعترافًا قانونيًا، لا مجرد كلمات شكر.











اترك ردك