وبينما لم تفض الجولة الأخيرة إلى اختراق في ملفي وقف إطلاق النار والانسحاب، برز تقدم في مسألة تثبيت الحدود الدولية وحلحلة في ملف الأسرى. إلا أن هذه النتائج، بحسب أوساط سياسية، تبقى محكومة بمدى استعداد إسرائيل للانتقال من إدارة المفاوضات إلى تنفيذ التزاماتها.
وتتجه الأنظار تالياً إلى ما يمكن أن تحققه الاتصالات اللبنانية مع واشنطن، ولا سيما على خط رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، في ظل سعي الأخير إلى تثبيت وقف إطلاق النار وفتح الباب أمام مرحلة ثانية من الانسحاب.
وكان الوفد اللبناني قد أبلغ الجانب الأميركي بوضوح أن إسرائيل لا تبدي استعداداً حقيقياً للتفاوض أو لتقديم أي خطوة عملية، سواء في ملف المناطق التجريبية أو ترسيم الحدود، وأن السلوك الإسرائيلي يشكل العقبة الأساسية أمام أي تقدم في المسار التفاوضي.
وتشير المعطيات إلى أن منسوب التوتر بلغ ذروته في اليوم الأخير من الجولة، بعدما اعترض رئيس الوفد، السفير سيمون كرم، على طريقة إدارة الجانب الإسرائيلي للمفاوضات، ما أدى إلى اختتامها قبل موعدها بساعتين. وفي ظل غياب أي وعود بشأن الملفات التي ناقشها الوفد العسكري، ولا سيما المناطق التجريبية والحدود، باتت الجولة المقبلة في أيلول غير محسومة، بانتظار ما ستكشفه المرحلة المقبلة من السلوك الإسرائيلي.
وبحسب أوساط سياسية، يرفض لبنان أي محاولة لحصر المسار في دائرة دولية ضيقة، ويتمسك بمشاركة الدول العربية والغربية، في حين تسعى إسرائيل إلى استبعاد المشاركة الأوروبية، بما فيها إيطاليا، ورفض الحضور العربي.
وبينما يواجه الوفد اللبناني انتقادات داخلية، تؤكد الأوساط أن المعركة الحقيقية تكمن في مواجهة شروط إسرائيلية لا تزال تحول دون تحويل التفاوض إلى مسار منتج، وأن الرهان في المرحلة المقبلة سيكون على ما إذا كانت الضغوط الأميركية قادرة على انتزاع تنازلات إسرائيلية، أم أن روما ستبقى مجرد جولات تفاوضية مفتوحة بلا نتائج.
وفي موازاة ذلك، يبقى ملف سلاح حزب الله في صدارة الأولويات، في ضوء ما أوردته صحيفة «وول ستريت جورنال» عن صعوبة تحقيق نزع السلاح بالقوة العسكرية الإسرائيلية وحدها، وعن بحث الولايات المتحدة وإسرائيل والجانب اللبناني خيارات تقوم على تعزيز دور الدولة والجيش اللبناني. وبحسب التقرير، تشمل الخيارات تدريب وحدات نخبة في الجيش وتمكينها من بسط سلطة الدولة، وقطع خطوط الإمداد عبر سوريا، وربط إعادة الإعمار بالتقدم في ملف السلاح، فيما تحذّر مصادر من أن فرض العملية بالقوة قد يفتح الباب أمام توترات داخلية خطيرة تصل إلى خطر الحرب الأهلية.
والأهم أن تقديرات إسرائيلية، وفق الصحيفة، تقرّ بأن نزع السلاح بالكامل عسكرياً قد يتطلب احتلالاً واسعاً للبنان، وهو خيار غير عملي. وفي السياق نفسه، أفادت هيئة البث الإسرائيلية بأن قائد القيادة المركزية الأميركية وصل إلى إسرائيل، حيث من المقرر أن يلتقي رئيس أركان الجيش الإسرائيلي وعدداً من كبار المسؤولين العسكريين.
إلى ذلك، يصل الجنرال الأميركي دايفيد كليرفيلد إلى بيروت، بالتوازي مع تطور أميركي بالغ الدلالة تمثل في تقديم أعضاء في مجلس الشيوخ مشروع قانون تحت عنوان قانون لبنان للعقوبات والاستقرار والدعم يقترح تخصيص مساعدات أمنية سنوية للقوات المسلحة اللبنانية بقيمة 200 مليون دولار، قابلة للزيادة إلى 300 مليون دولار في حال تحقيق نتائج ملموسة، في مقابل ربط هذا الدعم بتقدم الحكومة اللبنانية في ملف نزع سلاح حزب الله وتعزيز سلطة الدولة.
ولا تقتصر دلالة المشروع على حجم المساعدات، بل تتجاوزها إلى الشروط السياسية والأمنية المرافقة لها. فواشنطن تضع، للمرة الأولى بهذا الوضوح، إطاراً تشريعياً يربط الدعم الأميركي للجيش والأجهزة الأمنية بمدى تقدم لبنان في مواجهة حزب الله، ومكافحة تهريب السلاح والكبتاغون، وتجفيف مصادر تمويل الحزب، والحد من النفوذ الإيراني. كما يمنح المشروع الرئيس الأميركي صلاحيات أوسع لفرض عقوبات على جهات وأشخاص أجانب يقدمون دعماً مادياً للحزب أو يساهمون في تمويل أنشطة الجماعات المسلحة في لبنان.
وإلى جانب المساعدات العسكرية والأمنية، يتضمن المشروع دعماً لإعادة الإعمار، و20 مليون دولار سنوياً لمدة ثلاث سنوات لدعم رواتب ومخصصات الجيش وقوى الأمن الداخلي، فضلاً عن مخصصات لمكافحة المخدرات والإرهاب، وإزالة الألغام، والتدريب العسكري. لكن الأهم أن هذه الأموال لا تُطرح كدعم مفتوح، بل كحوافز مشروطة، تترافق مع تقارير دورية من وزارة الخارجية الأميركية إلى الكونغرس حول مدى تقدم الحكومة اللبنانية في تنفيذ هذه الأولويات، إلى جانب الإصلاحات المصرفية والحد من النفوذ الإيراني.
في المقابل، انتقد عضو كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب إبراهيم الموسوي السياسة الأميركية في المنطقة ودعم واشنطن لإسرائيل، معتبراً أن الإدارة الأميركية تتحمل مسؤولية في عدد من الحروب والصراعات التي شهدتها المنطقة، وأن دعمها لإسرائيل يشكل عاملاً أساسياً في استمرار الاعتداءات.
وأضاف: الضغوط والتهديدات والحملات الإعلامية لا يمكن أن تؤدي إلى التخلي عن الخيارات والمبادئ، والمواجهة مع العدو لا تقتصر على الجانب العسكري، بل تشمل أيضاً محاولات التأثير على الوعي وإضعاف الإرادة والمعنويات». وشدد على أن «مواجهة الاحتلال ترتبط بالدفاع عن السيادة والكرامة الوطنية.












اترك ردك