أما التضخم، فقد بلغ 17.3% في آذار 2026 وفق إدارة الإحصاء المركزي. وهذا جعل المواطن محاصراً بين الانهيار الاقتصادي والقلق الصحي. وتلفت مصادر رسمية، الى إنه ونتيجة الظروف المستجدة انخفض عدد المؤمّنين، اذ كان عددهم في العام 2018 حوالى 850 ألفاً إلى 900 ألف مؤمن في شركات التأمين، بينما اليوم لا يتجاوز عددهم 450 ألفاً إلى 500 ألف مؤمن، وغالبية المؤمنين هم من كبار السن الذين يعانون من مشاكل صحية. وفي وقتٍ أعاد فيه الضمان الاجتماعي جزءاً من تغطيته منذ 2025 لتصل أحياناً إلى 80-90% من الفواتير الطبية والأدوية، بقيت الفروقات الضخمة موجودة ولاسيما في أسعار المستلزمات والمغروسات خارج أي تغطية، لتترك المواطن عملياً بلا حماية حقيقية أمام المرض والحرب معاً. وامام هذا الواقع، يبرز التساؤل الأكبر: أين يقف قطاع التأمين مما يحدث؟ وهل يترك المواطن وحيداً في مواجهة الأقدار؟
شكاوى المواطنين
و تتصدّر شكاوى المواطنين المشهد الاجتماعي، حيث يواجه المؤمنون تحديات يومية تبدأ من تأخير أو رفض الموافقات الطبية، ولا تنتهي عند تحميلهم “فروقات مالية” ضخمة، الناتجة عن فجوة التسعير بين شركات التأمين والمستشفيات، باتت تُعرف بـ “الفروقات غير التعاقدية” التي تُرهق كاهل المريض.
إلى جانب ذلك، يعيش المؤمن حالة من الإحباط بسبب “بند استثناء مخاطر الحرب”. ففي الوقت الذي يحتاج فيه الناس للأمان، تصطدم مطالبهم بواقع أن معظم البوالص لا تغطي الأضرار الناتجة عن الأعمال الحربية، وهو ما يراه البعض “عدم مساواة”.
أما في ما يتعلق بمخاطر الحرب، فهنا تكمن الإشكالية الأساسية التي يثيرها المواطنون، إذ أن معظم بوالص التأمين تتضمن ما يُعرف ببند “استثناء مخاطر الحرب”، وبالتالي لا تغطي الأضرار الناتجة مباشرة عن الأعمال الحربية أو النزاعات المسلحة.
ويضيف الحداد انه وفي الواقع الحالي، هذا الأمر ليس خيارًا محليًا فقط، بل مرتبط بإعادة التأمين العالمية، حيث أن شركات إعادة التأمين أوقفت أو حدّت بشكل كبير من تغطية مخاطر الحرب في لبنان والمنطقة، ما يقيّد قدرة الشركات المحلية على تقديم هذه التغطية.
وبالتالي، يرى الحداد ان ما يُطرح على أنه “عدم مساواة” هو في الحقيقة نتيجة لطبيعة هذا الخطر، إذ لا يمكن إدراجه ضمن البوالص العادية بسبب حجمه الكارثي، ويُترك عادة لتغطيات خاصة ومحدودة جدًا (War Risk أو Political Violence)، والتي لا تتجاوز نسبتها في السوق اللبناني بضعة بالمئة من إجمالي البوالص.
ويوضح الحداد، أن تراجع القدرة الشرائية دفع الكثير من المواطنين إلى إلغاء بوالصهم أو تخفيضها، فيما ساهمت الدولرة وارتفاع التضخم الطبي في جعل كلفة التأمين أعلى. كما أن تقلص الطبقة الوسطى أثّر سلباً على حجم الطلب في السوق.
وعن أعداد المؤمّنين، يقول الحداد: “هناك تراجع في التأمين الفردي مقابل استقرار نسبي في التأمين الجماعي، كما نلاحظ توجهاً واضحاً نحو التغطيات الأساسية بدل الخطط الشاملة، ما يعني أن التغيير كان في نوعية التغطية أكثر من حجم السوق”.
شركات التأمين والصمود الحذر
استناداً إلى نتائج التقرير السنوي الصادر عن لجنة مراقبة هيئات الضمان، يمكن وصف وضع قطاع التأمين في لبنان حسب الحداد بأنه “صمود حذر ضمن بيئة عالية المخاطر”.
فالقطاع لم يشهد انهياراً، بل حافظ على استمراريته التشغيلية وحقق نموّاً محدوداً في بعض المؤشرات الأساسية، رغم الظروف الاستثنائية التي يمر بها لبنان، سواء على المستوى الاقتصادي أو الأمني. وهذا يعكس قدرة الشركات على التكيّف، ولو ضمن هامش ضيّق، مع التحديات القائمة.
هذا التوصيف يعكس واقعاً مزدوجاً، من جهة، استمرارية تشغيلية لشركات التأمين وعدم انهيار القطاع. ومن جهة أخرى، هامش نمو محدود جداً نتيجة ارتفاع المخاطر، وتراجع القدرة الشرائية، وعدم الاستقرار الأمني.
ويلفت الحداد، الى ان الحرب لم تؤدِّ إلى انهيار القطاع، لكنها غيّرت قواعد العمل بشكل جذري، وفرضت ضغوطاً مباشرة وغير مباشرة على شركات التأمين، أبرزها:
– ارتفاع مستوى المخاطر خصوصاً في تأمين الممتلكات والأعمال.
– تشدد معيدي التأمين حيث أصبحت تغطية السوق اللبناني أكثر تحفظاً، مع فرض شروط أكثر صرامة أو رفع الأسعار.
– توسيع الاستثناءات لا سيما ما يتعلق بمخاطر الحرب والأعمال العدائية، ما أدى إلى تضييق نطاق التغطيات.
– ارتفاع كلفة التعويضات غير المباشرة خاصة في التأمين الصحي نتيجة ارتفاع كلفة الاستشفاء والخدمات الطبية.
وتشير أرقام تقرير لجنة مراقبة هيئات الضمان لعام 2024 إلى أن قطاع التأمين في لبنان سجّل نموًا اسميًا في حجم الأقساط ليبلغ نحو 97 تريليون ليرة، إلا أن هذا النمو لا يعكس تحسنًا فعليًا بقدر ما هو نتيجة مباشرة للتضخم وارتفاع الأسعار.
في المقابل، ارتفعت كلفة التعويضات بشكل ملحوظ لتتجاوز 66 تريليون ليرة، لا سيما في فرع التأمين الصحي الذي يشكل نحو نصف السوق، ما أدى إلى ضغط كبير على نتائج الشركات.
بما يخص المستشفيات، يرى الحداد ان العلاقة مع شركات التأمين قائمة لكنها متوترة، فهنالك ارتفاع كلفة الاستشفاء وخلافات على التعرفات والفواتير، وتشدد في الموافقات، وأحياناً تحميل المريض فروقات مالية. ويضيف ان النقطة الاساس في هذا الموضوع هي اسعار المغروسات الطبية Prothese.
اما بالنسبة لدور شركات إدارة المطالبات TPA فهي تحاول ضبط الكلفة لكنها تُتهم بالتشدد، وهناك أحياناً تباين بين القرار الطبي والتغطية، فيما يواجه الوسطاء صعوبة في إدارة توقعات العملاء.
من الملاحظ أن قطاع التأمين في لبنان يمارس “فن البقاء” في حقل ألغام اقتصادي وأمني. وبينما تعكس أرقام لجنة المراقبة قدرة الشركات على التكيف مع التضخم والدولرة، يبقى التحدي الأكبر في استعادة الثقة شبه المفقودة مع المواطن الذي بات يرى في البوليسة “عبئاً إضافياً”. إن استدامة هذا القطاع تعتمد على قدرة الدولة والجهات الرقابية في ابتكار حلول توازن بين متطلبات السوق العالمية لإعادة التأمين وحق المواطن في رعاية صحية لا تستثنيه عند أول منعطف أمني أو اقتصادي.











اترك ردك