3 معادلات إسرائيلية في جنوب لبنان.. عام 2026 ليس عام 2000

وسط التحولات السياسية التي تشهدها إسرائيل بعد الانتخابات الأخيرة، وما رافقها من حديث عن احتمال خروج بنيامين نتنياهو من السلطة وصعود غادي آيزنكوت إلى رئاسة الحكومة، تتجه الأنظار إلى مستقبل الجبهة اللبنانية في ظلّ تصاعد التوتر بين إيران وأميركا، وسط تساؤلات عما إذا كان أي تغيير في القيادة الإسرائيلية سيقود إلى إنهاء الحرب والانسحاب من الجنوب، أم إلى مرحلة جديدة من التصعيد وتكريس الوجود العسكري.

وفي هذا السياق، تعود إلى الواجهة تجربة رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك، الذي شهد عهده الانسحاب من جنوب لبنان عام 2000، بعد سنوات من العمليات العسكرية التي استنزفت الجيش الإسرائيلي ودفعت تل أبيب إلى إنهاء احتلالها للشريط الحدودي.

غير أنّ المقارنة بين المرحلتين تكشف اختلافات جوهرية، قد تجعل تكرار سيناريو عام 2000 أكثر تعقيداً. ففي تلك المرحلة، كانت إسرائيل تواجه واقعاً ميدانياً مختلفاً تماماً، فقد انتشرت قواتها في مواقع عسكرية محددة، بمساندة جيش لبنان الجنوبي المدعوم إسرائيلياً، فيما بقيت القرى الحدودية مأهولة بالسكان، ما أتاح لفصائل لبنانية الاستفادة من البيئة المحلية في الحركة وجمع المعلومات وتأمين الإمدادات وتنفيذ العمليات ضد المواقع الإسرائيلية.

ومع تصاعد الهجمات والخسائر، وتراجع قدرة جيش لبنان الجنوبي على الصمود، بات استمرار الاحتلال مكلفاً عسكرياً وسياسياً، وصولاً إلى قرار الانسحاب في أيار 2000.

أما اليوم، فتبدو المعادلة مختلفة إلى حد كبير، فقد تعرضت قرى حدودية لبنانية لدمار واسع، فيما أُجبر عدد كبير من سكانها على النزوح، ما أدى إلى تغيير طبيعة المنطقة التي شكلت سابقاً بيئة للعمليات العسكرية ضد إسرائيل.

ومن الناحية العسكرية، فإن إخلاء القرى وتدمير المباني قد يحدان من قدرة المجموعات المسلحة على التحرك قرب المواقع الإسرائيلية، أو تنفيذ كمائن وزرع عبوات ناسفة، وهو ما يطرح تساؤلات بشأن الأهداف البعيدة المدى للعمليات الإسرائيلية في المنطقة الحدودية.

وهنا تبرز فرضية أساسية: هل تعمل إسرائيل على تفادي تكرار تجربة الاستنزاف التي سبقت انسحاب عام 2000، من خلال تحويل القرى الحدودية إلى مناطق مدمرة وخالية من السكان، بما يسمح لها بإدامة وجودها العسكري لفترة أطول؟

وفعلياً، لا يعني غياب السكان بالضرورة انتهاء التهديدات العسكرية، في حين أن استمرار الوجود الإسرائيلي قد يبقي احتمالات المواجهة مفتوحة، بصرف النظر عن هوية رئيس الحكومة المقبل أو توجهاته السياسية.

وعليه، فإن الفارق بين عام 2000 واليوم لا يرتبط فقط بطبيعة العمليات العسكرية، بل أيضاً بمستقبل الميدان والسكان. ففي الماضي، انسحبت إسرائيل من شريط حدودي كانت الحياة مستمرة في عدد كبير من قراه، أما اليوم، فإن أي انسحاب محتمل قد يترك وراءه مناطق مدمرة تحتاج إلى سنوات من إعادة الإعمار وإعادة السكان.

3 معادلات في الجنوب

وفي حال اندلاع حرب جديدة بين إسرائيل و”حزب الله”، قد يتجه الجيش الإسرائيلي إلى توسيع نطاق أوامر الإخلاء لتشمل مناطق واسعة في جنوب لبنان، في إطار استراتيجية تهدف إلى إفراغ المناطق المستهدفة من سكانها، تمهيداً للتقدم نحوها عسكرياً، أو لمنع استخدامها قواعد خلفية للدعم العسكري واللوجستي لـ”حزب الله”.

ويعني هذا السيناريو أن أي مواجهة مقبلة قد تكون أكثر تعقيداً من الجولة السابقة، خصوصاً إذا قررت إسرائيل توسيع عملياتها باتجاه مناطق مأهولة بالسكان، ما قد ينقل المعركة إلى مرحلة جديدة من التوغل البري والسيطرة الميدانية.

وفي هذا السياق، تبرز ثلاث معادلات قد تسعى إسرائيل إلى فرضها في جنوب لبنان.. المعادلة الأولى وترتبطُ بالأرض المحروقة والفارغة، وتقوم على تدمير البنى التحتية والمباني والمنشآت في المناطق المستهدفة، بما يجعل العودة إليها أكثر صعوبة، ويحدّ من إمكانية استخدامها في أي نشاط عسكري لاحق. وهنا، تقول معلومات “لبنان24” إن إسرائيل سعت لإرسال رسالة إلى لبنانيين في المناطق الحدودية بأنها تبحث عن بنى تحتية في كل المناطق التي تدخلها وذلك من أجل تحييد خطرها عن الجنود الإسرائيليين.

المعادلة الثانية وتتمثلُ بالإخلاء الشامل تمهيداً للسيطرة، وهي ترتكزُ على إبعاد السكان عن المناطق التي قد تشهد تقدماً إسرائيلياً، بهدف تسهيل التحركات العسكرية وتقليص احتمالات وجود بيئة بشرية يمكن أن توفر دعماً ميدانياً أو لوجستياً لـ”حزب الله”، على غرار ما كان يحصل خلال فترة الاحتلال الإسرائيلي للجنوب قبل عام 2000.

أما المعادلة الثالثة، فهي إخضاع الجبهة لرقابة عسكرية مستمرة بهدف تضييق هامش تحرك “حزب الله”، ومراقبة أي نشاط محتمل ينطلق من المناطق المأهولة أو من مواقع أبعد عن الحدود، بما يتيح لإسرائيل محاولة فرض سيطرة أمنية وعسكرية أوسع على الجبهة الجنوبية.

وبذلك، فإن إسرائيل تحاول فرض معادلاتها الميدانية في جنوب لبنان بهدف إطالة أمدِ الاحتلال، في حين أن ما يجري قد يُفسر بأنه استعداد لمرحلة جديدة من التوسع المحتمل، وذلك في حال دخل “حزب الله” في حرب جديدة ضد إسرائيل إسناداً لإيران في أي معركة قد تدخلها بأي لحظة ضد الولايات المتحدة الأميركية.