وأكدت المصادر، في حديثها لـ”إرم نيوز”، أن هذا التحول الجاري لا يقتصر على نقل السلاح أو تبديل نقاط التخزين، بل يشمل ما تصفه الأوساط الأمنية بـ”هندسة بقاء” كاملة، تشمل شبكة انتشار طبقية، خطوط حركة قصيرة، نقاط صغيرة قابلة للتبديل، وإدارة ميدانية أكثر حذرا من أي وقت مضى.
في المقابل، ترى جهات أمنية لبنانية أن هذه التحركات تحمل مفارقة واضحة؛ مشيرة إلى أن الحزب يريد إثبات أنه لا يزال موجودا وممسكا بالأرض، لكنه في الوقت نفسه مضطر لإخفاء هذا الوجود وتخفيفه؛ لأن أي تثبيت مكشوف سيمنح إسرائيل فرصة “صيد سهل” وإيقاع خسائر أكبر.
وتضيف المصادر أن هذا النموذج الجديد يعكس استيعاب الحزب لطبيعة المرحلة؛ بأن أي حركة كبيرة أو موقع ثابت أو نمط متكرر سيجعل المهمة أسهل أمام عمليات الرصد والاستهداف، ما دفعه إلى تقليل النقاط الثقيلة لصالح توزيع أكثر تفتتا، وترك مساحات رمادية لا تعطي صورة واضحة عن شكل انتشاره الحقيقي.
ويصف مصدر أمني لبناني هذا التحول بأنه “انسحاب تكتيكي داخل نفس الجغرافيا”، بمعنى أن الحزب لم يغادر الأرض فعليا، لكنه غيّر طريقة الوجود عليها. الهدف، وفقا للمصدر، هو الاحتفاظ بالقدرة من دون دفع فاتورة الظهور، والإبقاء على عنصر المفاجأة من دون توفير أهداف ثابتة قابلة للاصطياد.
وتظهر القراءة الأمنية أن الحزب بات يراهن على مبدأ بسيط، يفترض أن القدرة التي لا تُرى قد تكون أقل تأثيرا على المدى القصير، لكنها أصعب تفكيكا على المدى الطويل.
وتختصر المصادر هذا الأسلوب بأنه “من القافلة إلى الرزمة”، بمعنى نقل محدود وبمسارات أقصر، وضمن توقيتات سريعة، مع تقليل أي إشارات يمكن أن تُفهم لاحقا على أنها نمط ثابت. وتضيف أن الحزب، بعد سلسلة ضربات دقيقة، بات أكثر حساسية تجاه فكرة أن يكون “الطريق نفسه” أو “البيت نفسه” أو “النقطة نفسها” جزءا من روتين يومي؛ لأن الروتين هو ما يحوّل الشبكة إلى هدف.
هذا التحول لا يعني بالضرورة أن الحزب استعاد قدرته السابقة أو أن مخزونه عاد كما كان، بل يعني أنه يحاول حماية ما تبقى من القدرة عبر جعلها أقل عرضة للاستهداف. وفي ميزان العمل العسكري، حماية القدرة قد تكون أهم من استخدامها في توقيت غير مناسب، خاصةً عندما يكون الطرف الآخر قادرا على تحويل أي خطأ صغير إلى خسارة كبيرة.
وتشير المصادر إلى أن هذه المقاربة تعكس أيضا أزمة ثقة داخلية، ذلك أن الحزب يدرك أن أي ضربة جديدة قد لا تضرب مخزنا فقط، بل تضرب معنويات البيئة الحاضنة وتعيد فتح سؤال: “إلى أين يتجه جنوب لبنان؟”، في لحظة لا يريد فيها الحزب فتح نقاشات سياسية داخلية واسعة.
وتضيف المصادر أن الحزب لا يريد أن يظهر بمظهر من يتراجع تحت الضغط، لكنه أيضا لا يملك رفاهية فتح مواجهة واسعة في ظرف دولي وإقليمي ضاغط؛ لذلك يتمدد من خلال تكتيك أقل ضجيجا عبر نقاط صغيرة قابلة للتبديل، انتشار مرن، وعمل ميداني يراهن على “التأثير الصامت” بدل الاستعراض.
في المقابل، تُحذر جهات أمنية من أن هذا النوع من الانتشار يزيد حساسية الأرض ويجعل أي حادث صغير قابلا للتضخم سريعا؛ لأن تعدد النقاط الصغيرة يعني تعدد احتمالات الخطأ، وتعدد احتمالات أن يقع احتكاك غير محسوب يقلب مسار التهدئة إلى انفجار موضعي.
وتعتبر مصادر أمنية أن أخطر ما يواجه الجنوب في هذه المرحلة هو أن يتحول إلى “حافة حرب” دائمة، أي لا سلم كامل يتيح إعادة الإعمار أو استعادة الاقتصاد، ولا حربا كاملة تُحسم بنتيجة واضحة. وفي هذا النوع من المراحل الرمادية، تعيش المجتمعات تحت ضغط مستمر، ويصبح الاستنزاف جزءا من الحياة اليومية.
وتضيف المصادر أن هذا الأسلوب يعكس إدراكا لتغير قواعد اللعبة؛ إذ ليس المطلوب فقط تجنب الاستهداف، بل تجنب “التعقب”، أي ألا يترك الحزب أثرا يمكن أن يُجمع تدريجيا لتكوين صورة كاملة عن انتشاره. لذلك تتغير الأسماء، تتحرك المجموعات بأحجام أقل، وتُدار القرارات الميدانية ضمن دوائر أقرب إلى اللامركزية الحذرة.
لكن، وفق تقدير أمني، لهذا التحول ثمنه أيضا؛ فاللامركزية قد تمنح مرونة، لكنها قد تخلق بطئا أو سوء تقدير في بعض الحالات، خاصةً إذا تزامن ذلك مع ضغط نفسي متواصل، وخسارة كوادر، وتراجع قدرة الحركة الطبيعية التي كانت تمنح الحزب أفضلية في إدارة الأرض لعقود.
وقال مصدر أمني قال، لـ”إرم نيوز”، إن الحزب يحاول سد هذا النقص عبر “التدريب السريع وإعادة توزيع المهام”، لكن الفارق بين إعادة توزيع القوة وبين استعادة الفعالية ليس مضمونا دائما، خاصةً عندما تكون المعركة الحقيقية هي ضد الرصد المستمر لا ضد قوة برية تقليدية.











اترك ردك