سيارات على الكهرباء في بلد بلا كهرباء.. هل تكون الأزمة فرصة للبنان؟

لم تعد السيارة الكهربائية فكرة بيئية ناعمة أو ترفاً لأصحاب الدخل المرتفع. فبعد أزمات الوقود المتلاحقة، من طوابير البنزين في لبنان إلى موجات ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً، صارت السيارة الكهربائية تُطرح كسؤال اقتصادي مباشر: هل يستطيع الناس الهروب من صفيحة البنزين إلى البطارية؟

 
عالمياً، الجواب يميل إلى نعم. فقد تجاوزت مبيعات السيارات الكهربائية 17 مليون سيارة في عام 2024، أي أكثر من 20 في المئة من مبيعات السيارات الجديدة في العالم. الصين وحدها باعت أكثر من 11 مليون سيارة كهربائية في ذلك العام، وباتت السيارات الكهربائية تشكّل تقريباً نصف مبيعات السيارات الجديدة فيها. وتوقعت وكالة الطاقة الدولية أن تتجاوز المبيعات العالمية 20 مليون سيارة في 2025، أي نحو ربع السيارات المباعة عالمياً. هذا التحول لا يحصل فقط لأن العالم يريد هواءً أنظف، بل لأن كلفة الوقود أصبحت جزءاً من الأمن الاقتصادي للأفراد والدول. وكالة الطاقة الدولية تشير إلى أن السيارات الكهربائية أزاحت في 2024 أكثر من مليون برميل يومياً من استهلاك النفط، وقد تتجاوز الإزاحة 5 ملايين برميل يومياً بحلول 2030. بمعنى آخر، كل سيارة كهربائية لا تعني فقط فاتورة أقل لصاحبها، بل طلباً أقل على البنزين والديزل في السوق العالمي. لكنّ هذا الاتجاه العالمي نحو السيارات الكهربائية لا يسير في خط مستقيم. فقد كشف تحليل حديث لشركة “برايس ووترهاوس كوبرز” أن مبيعات السيارات الكهربائية في 43 سوقاً رئيسية تراجعت خلال الربع الأول من عام 2026 إلى نحو 2.7 مليون سيارة، بانخفاض يقارب 1 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025، في تطور غير مألوف بعد سنوات من النمو السريع. وجاء الضغط الأكبر من الصين، أكبر سوق للسيارات الكهربائية في العالم، حيث تراجعت المبيعات إلى نحو 1.32 مليون سيارة، أي بانخفاض 20 في المئة، فيما هبطت في الولايات المتحدة بنسبة 23 في المئة إلى نحو 233 ألف سيارة.

 
في المقابل، سجّلت أوروبا أداءً معاكساً، إذ ارتفعت المبيعات في الاتحاد الأوروبي وبريطانيا ودول أوروبية أخرى بنسبة 26 في المئة إلى نحو 724 ألف سيارة، مدفوعة خصوصاً بالطلب في ألمانيا وفرنسا. ورغم هذا التراجع العددي، واصلت السيارات الكهربائية تعزيز موقعها في السوق العالمية، بعدما بلغت حصتها نحو 16 في المئة، وهو أعلى مستوى يُسجَّل في ربع أول، مستفيدة أيضاً من تراجع مبيعات سيارات الاحتراق التقليدي بنسبة أكبر.
 
 
 
لكن الصورة ليست وردية بالكامل. السيارة الكهربائية تحتاج إلى بنية شحن، وقطع غيار، وضمانات، وفنيين، وشبكة كهرباء قادرة على الاستيعاب. لذلك لا يكفي أن تصبح السيارات أرخص أو أن تدخل السوق موديلات صينية بأسعار منافسة. التجربة العالمية تقول إن التحول ينجح عندما يترافق مع سياسة عامة تتوزع بين الحوافز، محطات شحن، تنظيم للسوق، وفحص للسلامة والبطاريات.
 
لبنان بلا كهرباء.. ولكن!
في لبنان، تبدو الفكرة أكثر إغراءً وأكثر تعقيداً في الوقت نفسه. الإغراء يأتي من جانب أن صفيحة البنزين 95 أوكتان بلغت 2,455,000 ليرة لبنانيّة. أي أن كلفة التنقل اليومي أصبحت عبئاً ثابتاً على الموظف، الطالب، السائق، وصاحب المؤسسة الصغيرة. وبحساب سريع، سيارة بنزين تستهلك 8 ليترات لكل 100 كلم تحتاج إلى نحو 40 في المئة من الصفيحة، أي ما يقارب مليون ليرة تقريباً لكل 100 كلم وفق سعر الصفيحة الحالي. أما سيارة كهربائية متوسطة فتستهلك نحو 16 إلى 18 كيلواط ساعة لكل 100 كلم، وقد تكون كلفتها أقل بوضوح إذا شُحنت من كهرباء الدولة أو من نظام شمسي منزلي. لكن المشكلة أن الحساب اللبناني لا ينتهي عند السعر، بل يبدأ من السؤال الأصعب: من أين تأتي الكهرباء؟
 
هنا تظهر المفارقة القاسية. لبنان يريد سيارات كهربائية، لكنه لا يملك كهرباء مستقرة، وسط حالات من الانقطاعات التي تتجاوز 15 ساعة، لذلك، لا يمكن بيع حلم السيارة الكهربائية للبنانيين بالطريقة نفسها التي يُباع بها في أوروبا أو الخليج. في لبنان، من لا يملك موقفاً خاصاً، أو اشتراكاً قادراً على تحمّل الشحن، أو ألواحاً شمسية، سيجد نفسه أمام سيارة نظيفة لا يعرف متى يشحنها. أما من يملك منزلاً مع نظام شمسي وبطاريات، فقد تصبح السيارة الكهربائية بالنسبة إليه امتداداً طبيعياً للمنزل، لا عبئاً إضافياً.
 
وهنا يدخل العامل الأهم: الطفرة الشمسية. بين 2021 و2024، شهد لبنان توسعاً كبيراً في الطاقة الشمسية اللامركزية، مع تقديرات تشير إلى ارتفاع القدرة المركبة إلى نحو 1,200 أو 1,300 ميغاواط، بعدما كانت محدودة جداً قبل الأزمة. هذا يعني أن آلاف المنازل والمؤسسات صارت تنتج جزءاً من كهربائها بنفسها، وهؤلاء هم الفئة الأكثر قابلية لاستخدام السيارات الكهربائية بجدوى حقيقية.
 
السوق اللبنانية نفسها ما زالت صغيرة وهشة. فقد بلغت قيمة واردات قطاع السيارات في لبنان نحو 850 مليون دولار في 2024، انخفاضاً من 1.2 مليار دولار في 2023. كما ارتفعت تسجيلات السيارات الجديدة بين كانون الثاني وآب 2025 إلى 8,016 سيارة، مقارنة بـ5,759 في الفترة نفسها من 2024. لكن هذا التحسن لا يعني أن السوق قادرة فوراً على انقلاب كامل نحو الكهرباء
ووسط كل هذه الارقام الايجابية في مكان ما، يبقى السؤال الأساسي: هل يمكن توظيف فكرة السيارة الكهربائية في بلد لا تصل فيه الكهرباء إلى المنازل إلا لساعات؟
 
الجواب نعم، لكن ليس كحل شامل وفوري. فكيف ذلك؟
يمكن توظيف هذه الفكرة بذكاء في ثلاث دوائر.
 
الأولى: السيارات الخاصة لدى الأسر والمؤسسات التي تمتلك طاقة شمسية ومواقف شحن.
 
الثانية: الأساطيل الصغيرة مثل شركات التوصيل، سيارات البلديات، الجامعات، المستشفيات، وبعض سيارات الأجرة ضمن نطاقات محددة.
 
الثالثة: النقل العام الصغير أو الحافلات الكهربائية في المدن، شرط وجود محطات شحن مخصصة لا تعتمد على الحظ أو التقنين.
 
أما طرحها كبديل عام لكل اللبنانيين فهو قفزة في الهواء. فلبنان يحتاج قبل ذلك إلى شبكة كهرباء أكثر استقراراً، ومحطات شحن موزعة قانونياً، وتسعيرة واضحة، ونظام مراقبة، وخطة لإعادة تدوير البطاريات. من دون هذه العناصر، قد تتحول السيارة الكهربائية إلى حل للأغنياء فقط، فيما يبقى باقي الناس عالقين بين البنزين الغالي والمولد الغالي والكهرباء الغائبة.
 
بالتالي، يمكن القول أنّ السيارة الكهربائية في لبنان ليست مستحيلة، لكنها ليست خلاصاً سحرياً. هي فرصة لمن يستطيع شحنها بكلفة مستقرة، وخطر لمن يشتريها بلا ضمان وبلا بنية مناسبة. لبنان يستطيع أن يبدأ من التشجيع على اقتناء السيارات الكهربائية الصغيرة، دعم الشحن بالطاقة الشمسية، تنظيم الاستيراد، إدخالها تدريجياً إلى أساطيل البلديات والمؤسسات، وعدم خداع الناس بأن البطارية وحدها تحل أزمة بلد لم يحل بعد أزمة الكهرباء.