الانقسام اللبناني لن يصل الى حرب اهلية؟

الانقسام السياسي في لبنان اليوم يبدو من أكثر الانقسامات حدّة منذ سنوات، لكنه في الواقع لا يشبه الانقسام التقليدي الذي حكم البلاد في “مرحلة 8 و14 آذار”. يومها كان المشهد السياسي واضحًا إلى حد بعيد، وكانت التحالفات ثابتة والخطوط الفاصلة بين القوى السياسية شبه محسومة، أما اليوم فالصورة أكثر تعقيدًا وتشابكًا، لأن الانقسام القائم لا يدور فقط حول السلطة أو التوازنات الداخلية، بل حول النظرة إلى فكرة المقاومة نفسها ودورها ومستقبلها.

في هذه المرحلة يمكن القول إن لبنان يقف أمام فريقين كبيرين: فريق يرى أن المقاومة ما تزال حاجة أساسية في مواجهة إسرائيل والضغوط الخارجية، وفريق آخر يعتبر أن مشروع المقاومة بات عبئًا على الدولة والاقتصاد والعلاقات العربية والدولية.

 لكن رغم وضوح هذا التصنيف، فإن المشكلة الأساسية تكمن في أن هذين الفريقين لا يمثلان كامل الشارع السياسي والطائفي في لبنان.

هناك شريحة سياسية وشعبية واسعة تقف في مكان وسط بين الطرفين، لا تشبه خطاب المواجهة الكاملة مع “حزب الله”، ولا تنتمي في الوقت نفسه إلى محور التحالف العضوي معه. ومن الواضح أن هذا الموقع الوسطي يتمثل بشكل أساسي في “التيار الوطني الحر”، وجزء كبير من “الجمهور السني” العام، إضافة إلى “الحزب التقدمي الاشتراكي” الذي يحاول منذ فترة التموضع في مساحة مختلفة عن الاصطفافات الحادة.

وبحسب مصادر سياسية، فإن هذه القوى تحديدًا ستكون صاحبة التأثير الأكبر في رسم المسار السياسي المقبل للبنان، لأن أي توازن داخلي جديد لن يُبنى فقط على حجم القوى المتواجهة، بل على قدرة الفريق الوسطي على ترجيح الكفة وتحديد شكل التحالفات المقبلة. فلبنان دخل مرحلة سياسية مختلفة لم تعد فيها التحالفات العقائدية الصلبة قادرة وحدها على إنتاج السلطة أو حماية الاستقرار.
ومن الواضح أيضًا أن هذا الفريق الوسطي ابتعد تدريجيًا عن خطاب العداء المباشر لحزب الله، خصوصًا بعد التطورات الإقليمية والحرب الأخيرة وما رافقها من تبدلات في المزاج الداخلي. لكنه في المقابل لم يتحول إلى حليف كامل للحزب، بل يحاول الحفاظ على مساحة تسمح له بالتواصل مع الخارج العربي والغربي من جهة، وعدم الدخول في صدام داخلي واسع من جهة أخرى.

لهذا السبب تبدو المرحلة المقبلة مفتوحة على إعادة تشكيل الحياة السياسية اللبنانية بطريقة مختلفة تمامًا عن السنوات الماضية، حيث لم يعد الانقسام العمودي الحاد كافيًا لفهم المشهد، بل أصبحت المنطقة الرمادية هي الأكثر تأثيرًا في تحديد مستقبل البلد.