نتنياهو: رهان السياسة الداخلية
لا يمكن قراءة الموقف الإسرائيلي بمعزل عن الوضع الداخلي لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. فالرجل الذي يواجه ملفات قضائية خانقة وائتلافاً حكومياً هشاً يجد في استمرار التوتر العسكري والأمني مخرجاً سياسياً مريحاً. الحرب بالنسبة له ليست فقط مسألة أمن قومي، بل هي أداة بقاء سياسي. فأي اتفاق يعني مساءلة، وأي هدوء يفتح الباب أمام المحكمة والشارع الإسرائيلي الغاضب. من هنا، يبدو أن نتنياهو يفضّل إدارة الأزمة لا إنهاءها، ويرفع سقف المطالب بما يجعل التوصل إلى اتفاق أمراً عسيراً، لا لأن الاتفاق مستحيل موضوعياً، بل لأنه غير مرغوب فيه سياسياً من قِبَله شخصياً ، لاسيما وان التحالفات السياسية التي برزت في وجهه ترفع منسوب القلق لديه والذي يحاول تبديده من خلال استمرار الحرب على لبنان .
حزب الله: التفاوض بالوكالة
على الجانب الآخر، لا تختلف الصورة كثيراً. فحزب الله الذي يمسك بزمام القرار العسكري داخل لبنان لا يتفاوض بوصفه طرفاً لبنانياً يسعى إلى مصلحة وطنية، بل بوصفه ذراعاً إقليمية لإيران. وما يُقدَّم على أنه صمود أو ثبات في وجه المفاوضات التي يعترض على كونها مباشرة ، ليس إلا انعكاساً لحسابات طهران الاستراتيجية التي ترى في الورقة اللبنانية رصيداً تفاوضياً تحتفظ به لمساوماتها الكبرى مع الغرب. وبالتالي، فإن أي تنازل قد يُقدّمه الحزب لن يكون خدمةً للبنان المنهك، بل ثمناً تدفعه طهران أو تمتنع عن دفعه وفق ما تقتضيه مصالحها. ولا يُخفي الحزب عداءه لأي دور أميركي في المنطقة، مما يجعله يرفض أي صيغة تبدو كأنها انتصار للوساطة الأميركية ، حتى لو كانت تصبّ في مصلحة لبنان. وبديهي إلا يقدم الحزب ” هدية” التزامه وقف النار إلى لبنان أو إلى واشنطن ، بل إلى ايران لانها ستضمن في النهاية مستقبل الحزب السياسي … وربما العسكري !
الدولة اللبنانية: شاهد عاجز
أما الدولة اللبنانية بمؤسساتها الرسمية، فتبدو في هذا المشهد كمن يراقب الحريق من نافذته من دون أن يملك خرطوم الإطفاء. صحيح أن ثمة حراكاً دبلوماسياً للمسؤولين اللبنانيين، وزيارات وبيانات ومشاورات مع واشنطن وغيرها ، غير أن هذا كله يفتقر إلى القدرة التأثيرية الفعلية. فالقرار الأمني ليس بيد الدولة، والقرار الميداني يصدر من جهة أخرى، والقرار التفاوضي تتنازع عليه قوى إقليمية ودولية لا تضع الاعتبارات اللبنانية في أعلى سلّم أولوياتها. يبقى لبنان الرسمي في موقع المنتظر، يأمل أن تتقاطع مصالح الآخرين عند نقطة تريحه، وهو رهان محفوف بمخاطر جسيمة ، لاسيما وان القرار الرسمي اللبناني ليس واحداً بين ” الرؤساء ” الثلاثة .
الخلاصة: القرار يُصنع في مكان آخر
في نهاية المطاف، ثمة حقيقة مرّة تفرض نفسها على كل متأمل في هذه المفاوضات التي تجري في واشنطن، لكن القرار يُصنع في طهران. بين هذين القطبين يضيع لبنان، شعباً يدفع الثمن ودولةً تتقن الانتظار ومن طهران تأتي إشارة الانطلاق أو الوقوف، ومن نتنياهو يأتي التعطيل المحسوب، ومن بيروت الرسمية لا يأتي إلا الصمت الذي يخفي عجزاً غير مسبوق .
الحل لن يأتي ما لم يستعد لبنان قراره السيادي كاملاً، وما لم تُوضع مصلحة اللبنانيين فوق كل حسابات المحاور الإقليمية — وهذا، للأسف، ما لم يحدث بعد.
المصدر:
خاص لبنان24










اترك ردك