وبحسب الموقع: “تُشكّل غواصات الصواريخ الباليستية من فئة أوهايو جزءًا أساسيًا من الثالوث النووي الأميركي، إذ تستطيع كل غواصة حمل ما يصل إلى 20 صاروخًا من طراز Trident II D5، ما يجعلها من أهم الأصول في الردع الاستراتيجي الأميركي. وليس من المستغرب أن يكون من المفترض عادةً أن يبقى مكان وجود هذه الغواصات مجهولاً، فقدرتها على البقاء وفعاليتها القتالية تعتمد على التخفي. لذا، كان وصول سفينة إلى جبل طارق أكثر من مجرد زيارة روتينية للميناء؛ فقد رجّح بعض المحللين أنها رسالة إلى إيران، وربما كانت أيضاً رسالة إلى إسبانيا، التي لطالما اعتبرت جبل طارق جزءاً من أراضيها، والتي دخلت مؤخراً في خلافات علنية مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب حول قضايا جيوسياسية رئيسية. ومع ذلك، فقد كان ذلك دليلاً على قوة العلاقة الخاصة بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، وعلى أهمية جبل طارق في تعزيز النفوذ الأميركي”.
وتابع الموقع: “عندما ألقى رئيس الوزراء البريطاني السابق ونستون تشرشل خطابه الشهير “أوتار السلام” في فولتون في ولاية ميسوري عام 1946، تحدث عن “علاقة خاصة” بين الولايات المتحدة ودول الكومنولث والإمبراطورية البريطانية. ومن بين أمور أخرى، أكد على ضرورة أن تشمل هذه العلاقة الاستخدام المشترك للقواعد العسكرية في كل أنحاء العالم. وبعد ثمانية عقود، تُظهر زيارة غواصة من طراز أوهايو إلى جبل طارق مدى أهمية هذه الفكرة حتى اليوم”.
وأضاف الموقع: “تبلغ مساحة جبل طارق 2.7 ميل مربع فقط، ويبلغ عدد سكانه حوالي 35,000 نسمة. ورغم صغر حجمه، إلا أن جبل طارق يلعب دورًا بالغ الأهمية في الجغرافيا السياسية. ويُعرف جبل طارق بـ”الصخرة”، ويتمتع بموقع استراتيجي عند أحد أهم الممرات البحرية في العالم، ويقع الجبل عند الطرف الجنوبي لشبه الجزيرة الأيبيرية، ويحمي مدخل البحر الأبيض المتوسط من جهة المحيط الأطلسي، وفي الأيام الصافية، يمكن رؤية شمال أفريقيا. وباعتباره أحد الأقاليم البريطانية الأربعة عشر ما وراء البحار، يتمتع جبل طارق بالحكم الذاتي في شؤونه الداخلية، بينما تظل المملكة المتحدة مسؤولة عن دفاعه”.
وبحسب الموقع: “يُفسر تاريخ المنطقة أهميتها الحالية؛ فقد استولت إسبانيا على المنطقة المعروفة اليوم باسم جبل طارق من المور عام 1462، وبقيت تحت سيطرتها حتى حرب الخلافة الإسبانية. وفي عام 1704، استولت قوة مشتركة من الإنكليز والهولنديين والكتالونيين على الصخرة. وفي عام 1713، وبموجب المادة العاشرة من معاهدة أوتريخت، تنازلت إسبانيا رسميًا عن جبل طارق لبريطانيا العظمى “إلى الأبد، دون أي استثناء أو عائق على الإطلاق”. وعلى الرغم من أن المملكة المتحدة سيطرت على جبل طارق لفترة أطول من إسبانيا، إلا أن مدريد سعت مرارًا وتكرارًا لاستعادته عبر الضغط العسكري والدبلوماسي والإكراه الاقتصادي، بما في ذلك حصارات متكررة وحصار اقتصادي استمر حتى أوائل ثمانينيات القرن الماضي. والأهم من ذلك، أن شعب جبل طارق أوضح مرارًا وتكرارًا رغبته في البقاء بريطانيًا؛ ففي الاستفتاءات، رفض سكان جبل طارق بأغلبية ساحقة السيادة الإسبانية وأكدوا هويتهم البريطانية”.
وتابع الموقع: “هذا الأمر بالغ الأهمية للولايات المتحدة؛ فقد اعتمدت أميركا على جبل طارق منذ فجر الجمهورية. فخلال حرب البربر الأولى (1801-1805)، مثّل جبل طارق قاعدةً متقدمةً للبحرية الأميركية في حربها ضد القرصنة قبالة سواحل شمال أفريقيا، كما ولعب دورًا مماثلًا خلال حرب البربر الثانية (1815). حتى خلال الحرب الإسبانية الأميركية، توقف الأدميرال جورج ديوي في جبل طارق عام 1899 للتزود بالإمدادات بعد معركة خليج مانيلا. وفي عام 1909، كانت المحطة الأخيرة للأسطول الأبيض العظيم في الخارج هناك قبل عودته إلى الولايات المتحدة. وخلال الحرب العالمية الأولى، ازدادت أهمية جبل طارق؛ فبعد دخول أميركا الحرب عام 1917، شكّلت الصخرة نقطة تجمع رئيسية لقوافل الحلفاء قبل عبورها المحيط الأطلسي. وساهمت قوة بحرية أنكلو-أميركية متمركزة في جبل طارق في منع الغواصات الألمانية من التنقل بين البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي”.
وأضاف الموقع: “خلال الحرب العالمية الثانية، تحوّل جبل طارق إلى حصن منيع للحلفاء، وكان له دور محوري في عملية الشعلة، وهي غزو الحلفاء لشمال أفريقيا عام 1942. ومنذ ذلك الحين، دعم جبل طارق العمليات الأميركية وعمليات الحلفاء خلال الحرب الباردة، بالإضافة إلى عمليات أخرى في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وتُظهر الأحداث الأخيرة أهمية هذا الوصول؛ فرفض إسبانيا السماح للطائرات العسكرية الأميركية المشاركة في العمليات ضد إيران باستخدام مجالها الجوي أو قواعدها كان بمثابة تذكير بأن مدريد ليست دائمًا الشريك الموثوق الذي تحتاجه واشنطن، كما أن مقاومة إسبانيا لهدف حلف الناتو المتمثل في خفض الإنفاق الدفاعي إلى 5% يُؤكد هذه النقطة. لو سقط جبل طارق تحت السيطرة الإسبانية، لكان من المستبعد أن تتمتع الولايات المتحدة بنفس مستوى النفوذ الذي تتمتع به اليوم؛ وهذا وحده كفيل بتشكيل الفكر الأميركي”.
وبحسب الموقع: “لم يكن وصول الغواصة من فئة أوهايو مجرد استمرار لتاريخ التعاون العسكري العريق بين الولايات المتحدة وبريطانيا وجبل طارق، بل كان أيضاً تذكيراً بأن الوصول إلى قواعد ذات مواقع استراتيجية لا يزال أمراً بالغ الأهمية للقوة الأميركية. فعندما تختار أميركا إظهار أحد أهم أصولها الاستراتيجية في أوروبا، فإنها تفعل ذلك في منشآت بريطانية؛ وهذا يُبرز ليس فقط القيمة الاستراتيجية الفريدة لجبل طارق، بل أيضاً عمق العلاقة الخاصة والمتينة بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة”.












اترك ردك