أسواق لبنان بلا زبائن وتجارة التجزئة تهتزّ.. هل بدأت موجة الإقفال؟

لم يعد تراجع تجارة التجزئة في لبنان مجرّد رقم في جدول اقتصادي، فما يجري في السوق بات أقرب إلى صورة يومية يمكن رؤيتها في الشوارع الفارغة، والمحال التي تفتح بلا زبائن، والمراكز التجارية التي فقدت جزءاً كبيراً من حركتها المعتادة. فالمؤشرات الأخيرة تضع القطاع أمام هبوط حاد، بعدما اقترب مؤشر تجارة التجزئة من مستوى 29 نقطة تقريباً، في إشارة إلى انكماش واضح في واحد من أكثر القطاعات التصاقاً بحياة اللبنانيين اليومية. 

 
هذا التراجع لا يمكن فصله عن المشهد العام في البلاد. فالحرب والتصعيد الأمني والخوف من اتساع الضربات لم تضرب فقط الحدود أو القرى الجنوبية، بل وصلت أيضاً إلى الأسواق، وإلى قرار المستهلك، وإلى حركة المغتربين والسياح، وإلى قدرة التاجر على التخطيط ولو لأسبوع واحد. فالأزمة في تجارة التجزئة جاءت في توقيت أكثر حساسية، لأنها تزامنت مع استمرار ارتفاع الأسعار، إذ خلال الفصل الأول من عام 2026، سجل التضخم ارتفاعاً يقترب من 7 في المئة، وفق المؤشرات الرسمية للأسعار. وهذه النسبة، وإن بدت أقل من مستويات الانفجار التضخمي التي عرفها لبنان في السنوات الماضية، تبقى ثقيلة جداً على سوق ضعيفة وعلى مستهلك خسر جزءاً كبيراً من قدرته الشرائية. فاللبناني اليوم لا يشتري أقل لأنه لا يريد فقط، بل لأنه لا يستطيع، أو لأنه يخشى ما هو آت. وفي الظروف الطبيعية، كان يمكن لتجارة التجزئة أن تعوّض جزءاً من ضعف الطلب المحلي عبر السياحة والمغتربين، خصوصاً في مواسم الأعياد والعطل. لكن هذا العامل تراجع بقوة هذه المرة. فالتجارة المرتبطة بالسياحة، من مطاعم ومقاهٍ وملابس وهدايا وخدمات ترفيهية، تلقت ضربة قاسية بعد تراجع حركة الوافدين بنسب كبيرة جداً في بعض الفترات، وصلت وفق تقديرات السوق إلى ما يقارب تسعة أعشار الحركة المعتادة. فكثير من المغتربين ألغوا رحلاتهم، وكثير من الزوار فضّلوا الانتظار، فيما جاءت تحذيرات السفر الصادرة عن عدد من الدول لتزيد من حجم القلق. 


الفراغ المقلق 

 
بهذا المعنى، خسر السوق اللبناني أحد أهم محركاته. فالمغترب لا يأتي فقط كزائر، بل كمستهلك قادر على تحريك سلسلة واسعة من القطاعات: من الفندق إلى المطعم، ومن محل الألبسة إلى السوبرماركت، ومن سيارة الأجرة إلى قطاع الهدايا والخدمات. وعندما يغيب هذا المستهلك دفعة واحدة، يشعر السوق بالفراغ سريعاً. 
وفي بيروت وجبل لبنان، لم يكن المشهد أفضل بكثير. فمع اتساع رقعة الخوف من التصعيد، تراجعت الحركة في الأسواق والشوارع والمراكز التجارية. المستهلك بات أكثر حذراً، والتاجر بات أكثر قلقاً، والشراء غير الضروري أصبح مؤجلاً. وهذا السلوك مفهوم اقتصادياً، لأن الناس في زمن الحرب لا تتصرف كما تتصرف في زمن الاستقرار. الأولوية تصبح للسيولة، وللغذاء، والدواء، والمحروقات، لا للترفيه أو الكماليات أو المشتريات الموسمية. 
 
أما في الجنوب، فالصورة أكثر قسوة. تجارة التجزئة هناك لم تتراجع فقط، بل وصلت في عدد من المناطق إلى شبه توقف. الغارات الجوية، القصف المدفعي، النزوح، إقفال الطرق، وتراجع الحركة بين القرى والبلدات، كلّها عوامل جعلت النشاط التجاري اليومي شبه مستحيل. 
 من ناحية أخرى، اللافت أن التضخم لم يضرب كل القطاعات بالطريقة نفسها. فالارتفاع الأكبر ظهر في قطاعات مرتبطة مباشرة بنمط الحياة والخدمات، حيث سجّل قطاع الاستجمام والتسلية والثقافة زيادة تتجاوز 40 في المئة تقريباً، فيما ارتفعت كلفة التعليم بأكثر من 35 في المئة، والنقل بنحو ربع الكلفة السابقة، والغذاء والمشروبات غير الروحية بما يقارب 20 في المئة.  

المرآة الداخلية 

 
اقتصادياً، خطورة ما يحصل أن تجارة التجزئة هي مرآة مباشرة للطلب الداخلي، فعندما يضعف هذا القطاع، فهذا يعني أن الاستهلاك يتراجع، وأن السيولة في السوق تضيق، وأن أرباح المؤسسات الصغيرة والمتوسطة تنكمش. وهذه المؤسسات ليست هامشية في لبنان، بل تشكل جزءاً أساسياً من الدورة الاقتصادية ومن فرص العمل اليومية. لذلك، فإن تراجع التجزئة لا يبقى داخل المحال، بل ينتقل إلى العمال، والموردين، والمستوردين، وأصحاب العقارات، وحتى البلديات التي تعتمد على حركة السوق. 
ولعل التجار الذين تسمع أصواتهم بسبب تلكؤ الحكومة، خير دليل على ذلك، فالمشكلة لم تعد في الهبوط وحده، بل في غياب أدوات امتصاص الصدمة، إذ حتى الآن، لم تظهر حزمة تحفيزية واضحة مخصصة للقطاعات المتضررة من الحرب، ولم يُعلن عن برنامج حكومي لتعويض خسائر التجار أو دعم المؤسسات الصغيرة التي فقدت جزءاً كبيراً من مبيعاتها. وفي بلد يعاني من محدودية مالية كبيرة، قد تكون قدرة الدولة على التدخل ضعيفة، لكن غياب أي خطة يجعل السوق متروكاً وحده أمام أزمة مركّبة. 
 
هذا الغياب الرسمي يطرح سؤالاً أوسع: هل يستطيع قطاع التجزئة أن يصمد إذا طال أمد التصعيد؟  
الجواب ليس بسيطاً. فبعض المؤسسات تملك احتياطات أو قدرة على خفض النفقات، لكن قسماً كبيراً من المحال الصغيرة يعيش على حركة يومية. وإذا غاب الزبون لأسبوعين أو شهر، تبدأ المشكلة. وإذا طال الغياب أكثر، يصبح الإقفال خياراً مطروحاً، لا بسبب سوء الإدارة، بل بسبب غياب الحد الأدنى من الاستقرار.