الاشتباك السياسي بدأ… التسوية مؤجلة

رغم الأهمية السياسية والرمزية لاتفاق الإطار الذي وقع بين الدولة اللبنانية وإسرائيل، إلا أن المشهد الداخلي اللبناني لم يشهد حتى الآن تفاعلات سياسية واسعة أو تحولات دراماتيكية على مستوى المواقف أو الاصطفافات. فالردود التي ظهرت بقيت محصورة بسلسلة تصريحات ومواقف سياسية أكدت وجود رفض واضح لدى شريحة واسعة من اللبنانيين لهذا الاتفاق، من دون أن يترجم ذلك إلى تحركات ميدانية أو خطوات تصعيدية.

 

وفي مقدمة القوى الرافضة برز موقف “الثنائي الشيعي” وحلفائه، إلى جانب الحزب التقدمي الاشتراكي والجماعة الإسلامية، ما عكس وجود تقاطع سياسي غير مسبوق بين أطراف تختلف في ملفات كثيرة لكنها التقت عند اعتبار أن الاتفاق يطرح أسئلة تتجاوز البعد التقني أو الأمني نحو إعادة رسم التوازنات السياسية داخل لبنان.

 

هذا الواقع فتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاشتباك، لكنها تختلف عن التجارب السابقة. فالاشتباك الداخلي، وفق المؤشرات الحالية، لن يأخذ شكل احتجاجات شعبية أو مواجهات سياسية مفتوحة أو خطوات تصادمية في الشارع. إذ يبدو أن القرار داخل “الثنائي الشيعي” قد اتخذ بشكل واضح بعدم الانجرار إلى أي مواجهة داخلية مهما بلغت الضغوط السياسية أو حجم التباينات القائمة. هذا القرار لا يرتبط فقط بالحسابات المحلية، بل أيضاً بقراءة أوسع للمشهد الإقليمي وما يمكن أن ينتجه أي توتر داخلي من انعكاسات لا يمكن ضبطها.

 

لكن في المقابل، فان الامتناع عن المواجهة لا يعني الحفاظ على العلاقات السياسية كما كانت. فالمؤشرات السياسية الحالية توحي بأن القطيعة مع رئيس الجمهورية، وخصوصاً من قبل “الثنائي الشيعي”، تتجه لأن تكون حاسمة وشبه نهائية، على الأقل إلى حين انتهاء الأزمة الحالية ووضوح اتجاهاتها. إذ يُنظر داخل هذا الفريق إلى ما حصل على أنه انتقال سياسي لا يمكن التعامل معه باعتباره تفصيلاً أو خطوة ظرفية.

 

أما خارجياً، فلا يبدو أن الملف اللبناني قد خرج فعلاً من دائرة الاشتباك الإقليمي كما يحاول البعض الإيحاء. فالتقديرات المتداولة تشير إلى أن طهران تتحضر لخطوة ما في مواجهة رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، الذي حاول الاستفادة سياسياً من “اتفاق الإطار” لتقديم نفسه على أنه نجح في إخراج إيران من الملف اللبناني وفرض شروطه وأهدافه فيه. غير أن هذا الاستنتاج لا يزال مبكراً، لأن المنطقة اعتادت أن تُظهر نتائج التسويات بعد أشهر لا بعد أيام، ولأن لبنان غالباً ما يكون آخر الساحات التي تُقفل فيها الحسابات الإقليمية.