تراجع خطابي من عون وسلام… الاتفاق”لا يهضم” دفعة واحدة

أعادت تصريحات رئيس الجمهورية جوزيف عون امس، إلى جانب مواقف رئيس الحكومة نواف سلام، رسم المشهد السياسي المحيط بالاتفاق الذي جرى توقيعه بين لبنان وإسرائيل. فبعد مرحلة بدت فيها السلطة تتجه نحو تثبيت مسار سياسي واضح، برز في المقابل توجه عام يقوم على عدم الذهاب إلى عرض الاتفاق داخل مجلس الوزراء أو تحويل الأمر إلى خطوة تنفيذية سريعة، ما أعطى انطباعاً بأن العهد والحكومة قررا العودة خطوة إلى الوراء وإعادة احتساب التوازنات.

 

هذا التراجع لا يُقرأ بالضرورة على أنه تخلٍ عن الفكرة أو انقلاب عليها، بل يمكن تفسيره على أنه مقاربة أكثر واقعية لطبيعة الواقع اللبناني وتعقيداته الداخلية. فالاعتراضات السياسية التي ظهرت خلال الأيام الماضية، وحجم النقاش الذي أثاره الملف، أظهرا أن الانتقال السريع نحو أي صيغة نهائية قد يؤدي إلى توترات داخلية لا تبدو السلطة راغبة في تحمل نتائجها في هذه المرحلة.

 

من هذا المنطلق، تبدو عملية الاحتواء الحالية محاولة لاستيعاب ردات الفعل وإعادة تهدئة المشهد، لا سيما أن بعض القوى السياسية تعاملت مع الأمر بوصفه تحولاً كبيراً يتجاوز الإطار التقني أو الأمني إلى إعادة صياغة قواعد سياسية قائمة منذ سنوات. ولذلك، فإن خفض السقف السياسي والإعلامي قد يكون جزءاً من إدارة الأزمة أكثر مما هو تراجع فعلي عنها.

 

لكن القراءة المقابلة داخل الأوساط السياسية لا تتوقف عند هذا الحد. فهناك من يعتبر أن رئيس الجمهورية تحديداً يدرك أن أي اتفاق من هذا النوع لا يمكن تمريره دفعة واحدة داخل البيئة اللبنانية، وأن التعامل معه يحتاج إلى مسار تدريجي يقوم على تخفيف الصدمات وتجزئة النقاش العام، بحيث يتم الانتقال من الاعتراض الحاد إلى الاعتياد السياسي مع الوقت.

 

وفق هذا التفسير، فإن التراجع الحالي لا يُنظر إليه كإسقاط للاتفاق، بل كإعادة تنظيم لمسار تقديمه وإدارته. وهذا ما يجعل بعض القوى، وخصوصاً داخل البيئة الشيعية، تتعامل بحذر مع الإشارات الصادرة، انطلاقاً من قناعة بأن ما يجري قد يكون احتواءً مرحلياً أكثر منه تغييراً استراتيجياً. وفي هذا السياق، يبرز اعتقاد لدى بعض المتابعين بأن خطوط التواصل والتفاهم مع رئيس الجمهورية لم تفتح، وأن المرحلة المقبلة ستكشف ما إذا كان التهدئة مقدمة للتراجع أم تمهيداً لإعادة طرح الملف بصيغة مختلفة.