الانسحاب المؤجل
كان عنوان “المنطقة التجريبية” يوحي منذ البداية بمرحلة تنفيذية محدودة، هدفها اختبار قدرة الطرفين على الانتقال من النصوص إلى الميدان. وبحسب التفسيرات المتباينة، بدا أنّ هذه المرحلة تقوم على مجموعة خطوات متدرّجة: تنسحب إسرائيل من رقعة محددة، ينتشر الجيش اللبناني، تجري عملية التحقق، ثم تنتقل التجربة إلى مناطق أخرى. بهذا المفهوم، يفترض أن تكون المرحلة الأولى أداة لتنفيذ الانسحاب، لا مقدمة لإعادة التفاوض في مبدئه.
لا تكمن المشكلة في توسيع البحث في ذاته، إذ يصعب فصل الانسحاب وانتشار الجيش ووقف الاعتداءات والترتيبات الأمنية بعضها عن بعض. لكن الخشية تبدأ حين يتوسع جدول الأعمال قبل تثبيت الانسحاب الإسرائيلي بوصفه التزامًا واجب التنفيذ، لا ورقة تفاوضية ضمن صفقة أكبر. عندها، قد يصبح كل تقدم ميداني مشروطًا بتفاهم جديد، وقد ينتقل لبنان من التفاوض على آلية استعادة أرضه إلى التفاوض على الثمن السياسي والأمني المرافق لهذه الاستعادة.
من يحدد معنى “الاتفاق الشامل”؟
لا يوضح البيان الأميركي المقصود بالاتفاق الشامل. فقد يكون الحديث عن تفاهم تنفيذي يضم الانسحاب، وانتشار الجيش، وترسيم النقاط العالقة، وضمان وقف الأعمال العدائية. وقد تكون العبارة أوسع من ذلك، بحيث تشمل ترتيبات أمنية طويلة الأمد أو قضايا سياسية تتجاوز إدارة المرحلة الحالية، وصولاً حتى الحديث عن اتفاق سلام أو تطبيع، ولو أنّ ذلك مستبعَد في الوقت الحاضر للكثير من الأسباب والاعتبارات.
المشكلة إذًا ليست في عبارة “الاتفاق الشامل” وحدها، وإنما في ترتيب الخطوات المؤدية إليه. فإذا انسحبت إسرائيل وانتشر الجيش واستعيدت الأراضي، يصبح النقاش اللاحق مرتبطًا بواقع جديد تتحرك فيه الدولة من موقع أقوى. أما إذا رُبط الانسحاب مسبقًا بالتوصل إلى الاتفاق الأوسع، فقد يتحول الاحتلال من واقع مطلوب إنهاؤه إلى ورقة ضغط تُستخدم للحصول على شروط إضافية في المراحل المقبلة.












اترك ردك