لماذا عارض نواب “القوات” و”الكتائب” مشروع الحاق متعاقدي وزارة الإعلام بشرعة التقاعد؟

لم يكن الجدل الذي رافق مشروع إلحاق المتعاقدين في وزارة الإعلام بشرعة التقاعد مجرد نقاش تقني حول مادة قانونية أو بند إداري، بل أعاد فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في لبنان، أي ملف المتعاقدين الذين أمضوا سنوات طويلة في خدمة الدولة من دون أن يحصلوا على الحقوق التي يتمتع بها موظفو الملاك، في مقابل هواجس القوى السياسية من أي خطوة قد تزيد أعباء القطاع العام في مرحلة مالية واقتصادية شديدة التعقيد.

فالمتعاقدون في وزارة الإعلام، ولا سيما العاملون في “الوكالة الوطنية للإعلام”، لا يتحدثون عن امتيازات استثنائية أو مكاسب غير مستحقة، بل عن سنوات طويلة من العمل المتواصل في مؤسسة رسمية أدّت دورًا أساسيًا في نقل أخبار الدولة اللبنانية ومواكبة أحداثها، في السلم كما في أصعب مراحل الحروب والأزمات.

لقد حافظ هؤلاء على استمرارية العمل الإعلامي الرسمي في ظروف لم تكن سهلة. كانوا في مواقعهم خلال الأزمات الأمنية والسياسية، وفي مراحل تراجعت فيها إمكانات الدولة، ومع ذلك استمروا في أداء مهامهم المهنية، من دون أن يواكب ذلك تطور مماثل في أوضاعهم الوظيفية أو ضماناتهم الاجتماعية.

من هنا، يرى المؤيدون للمشروع أن القضية ليست قضية توظيف جديد، بل تصحيح لوضع قائم منذ سنوات. فالمتعاقد الذي أمضى عشرين أو ثلاثين عامًا في خدمة مؤسسة رسمية، لا يمكن التعامل معه كما لو أنه دخل الإدارة حديثًا، خصوصًا إذا كان يقوم بالمهام نفسها التي يؤديها موظف مثبت.

لكن في المقابل، تطرح القوى المعارضة للمشروع، ولا سيما بعض نواب كتلتي “القوات اللبنانية” و”الكتائب اللبنانية”، جملة من الهواجس تتعلق بالإدارة العامة والمالية العامة. فوجهة نظر هؤلاء تنطلق من أن لبنان لا يستطيع اليوم فتح أبواب التزامات جديدة من دون دراسة دقيقة للكلفة المالية والانعكاسات المستقبلية على خزينة الدولة.
كما يخشى المعترضون أن تؤدي معالجة ملف واحد بمعزل عن بقية الملفات إلى تكريس سياسة الحلول الاستثنائية، بحيث تتحول كل مؤسسة عامة إلى حالة خاصة تطالب بمعاملة مماثلة، الأمر الذي قد يعرقل أي محاولة لإعادة تنظيم الإدارة على أسس حديثة.

وبين وجهتي النظر، يبقى السؤال الأساسي: هل يمكن التوفيق بين حق المتعاقدين في الإنصاف وبين ضرورة إصلاح القطاع العام؟

فالعدالة لا تعني تجاهل الواقع المالي للدولة، كما أن الإصلاح لا يجب أن يتحول إلى ذريعة لتأجيل حقوق من أمضوا سنوات طويلة في خدمة المؤسسات العامة. المطلوب ربما ليس رفض المشروع أو تمريره كما هو، بل إدخال ضوابط واضحة تضمن عدم تحميل الدولة أعباء غير مدروسة، وفي الوقت نفسه تحفظ حقوق الذين أمضوا عمرهم المهني في خدمة الدولة.

وقد يكون الحل في اعتماد مقاربة متوازنة تقوم على دراسة كل حالة وفق معايير محددة، مثل سنوات الخدمة، وطبيعة العمل، والحاجة الفعلية إلى الاختصاصات، مع وضع إطار عام يعالج أوضاع المتعاقدين في مختلف الإدارات بدل الاستمرار في سياسة المعالجات المجزأة.

إن قضية متعاقدي وزارة الإعلام تتجاوز حدود مؤسسة واحدة. فهي اختبار لقدرة الدولة اللبنانية على الموازنة بين احترام من خدموها وبين إعادة بناء إدارة عامة أكثر فعالية. فالدولة التي تطلب من موظفيها التفاني في أصعب الظروف، مطالبة أيضًا بأن تكون عادلة معهم عندما يحين وقت إنصافهم.

ويبقى الرهان على أن يتحول هذا النقاش من مواجهة سياسية إلى فرصة لإقرار قاعدة واضحة، إذ لا يمكن بناء إدارة حديثة على أنقاض حقوق من حافظوا عليها طوال سنوات.