انتهى زمن الرسائل غير المباشرة والقنوات الدبلوماسية الخلفية، وبات الملف اللبناني يُناقش اليوم وجهاً لوجه في أعلى هرم القرار الدولي، مع وجود رئيس الجمهورية جوزيف عون شخصياً في العاصمة الأميركية واشنطن تلبية لدعوة من الرئيس دونالد ترامب. هذه الحركة الرئاسية المباشرة، تعيد الدولة الى موقعها، بعد غياب استمر لـ 17 عاماً كاملة منذ عام 2009.
إلا ان المعادلة في المكتب البيضاوي اليوم واضحة، وتقوم على مبدأ “الالتزامات المتبادلة”؛ فلبنان، يسعى إلى انتزاع تعهد أميركي حاسم يضمن انسحاباً إسرائيلياً كاملاً وشاملاً من أراضيه، وتثبيت وقف إطلاق النار بشكل نهائي ومستدام يضع حدّاً لدوامة النزيف والدمار، إلى جانب الحصول على مظلة دعم عسكري واقتصادي دولي تمكّن مؤسساته الشرعية من النهوض مجدداً.
وفي المقابل، تطرح واشنطن شروطها الصارمة بلا مواربة؛ إذ تطالب بضمانات تنفيذية واضحة وجداول زمنية حاسمة تضمن نزع سلاح “حزب الله”، وفرض سلطة الجيش كقوة وحيدة مسيطرة على الأرض، ولاسيما في المناطق الحساسة تجنباً لأي تصعيد مستقبلي.
إنها قمة “الوجه لوجه” بين حقوق لبنان والشروط الأميركية، حيث يبحث الطرفان عن صياغة تسوية نهائية تخرج بالملف من قوالب الوعود الدبلوماسية إلى آليات تنفيذية ملموسة تحكم ملامح المرحلة المقبلة.
الدبلوماسية الرئاسية في محطات التاريخ
وإذا كانت طاولات التفاوض وجهاً لوجه تشكل اليوم اختباراً لندية الشروط والمطالب، فإن العودة إلى دفاتر الدبلوماسية تكشف أن طريق الرؤساء اللبنانيين إلى البيت الأبيض لم تكن يوماً بروتوكولية عابرة، بل ارتبطت دائماً بمنعطفات مصيرية مرَّ بها لبنان، حيث يسجل التاريخ كيف كانت واشنطن دائماً محطة استقطاب يبحث فيها الرؤساء عن مظلة دولية لحماية الكيان، أو ترتيب انسحابات، أو صياغة معادلات أمنية جديدة.
وقد بدأت هذه الطريق تاريخياً مع الرئيس كميل شمعون عام 1957 في قمة جمعته بالرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور، ولم تكن الزيارة مجرد لقاء تعارف بل أفضت إلى تبني بيروت لـ “مبدأ أيزنهاور” لمواجهة المد الإقليمي المتصاعد حينها، وهو المحور الذي رسم توازنات لبنان لسنوات وتبلورت مفاعيله ميدانياً في أزمة صيف عام 1958 لحماية النظام الشرعي.
في شباط 1978، زار الرئيس إلياس سركيس، واشنطن في خضم الحرب الأهلية اللبنانية والتقى بالرئيس جيمي كارتر لطرح ملف قوات الردع العربية والسيادة اللبنانية.
وفي أوج الاجتياح الإسرائيلي وبيروت تلملم جراحها، التقى الرئيس أمين الجميّل بالرئيس رونالد ريغان بين عامي 1982 و1983 في لقاءات مكررة تمخض عنها إرسال القوات متعددة الجنسيات، وتمحورت المحادثات حول صياغة آليات لانسحاب القوات الأجنبية وبناء الجيش، وهو المخاض الشائك الذي أنتج اتفاق 17 أيار الشهير قبل أن يسقط في زواريب السياسة المحلية والإقليمية.
ومع تغير الخرائط، دخل الرئيس إلياس الهراوي البيت الأبيض عام 1996 للقاء الرئيس بيل كلينتون عقب عدوان “عناقيد الغضب” الإسرائيلي، ونجحت الزيارة في انتزاع اعتراف دولي بـ “تفاهم نيسان” الذي ثبّت لأول مرة معادلة حماية المدنيين وأوجد لجنة مراقبة دولية برئاسة أميركية-فرنسية مشتعلة الصلاحيات. وصولاً إلى الرئيس ميشال سليمان الذي مثلت زيارته في كانون الأول 2009 لباراك أوباما المحطة الرئاسية الأخيرة في المكتب البيضاوي قبل الانقطاع الطويل، والتي ركزت مخرجاتها حينها على الالتزام الدولي بالقرار 1701 وتقديم حزم دعم مالي وعسكري للجيش لتعزيز قدراته الدفاعية كقوة استقرار أساسية.
منذ تلك القمة في عام 2009، أُغلقت أبواب المكتب البيضاوي أمام الرئاسة اللبنانية، لتدخل العلاقات في نفق طويل من “دبلوماسية الموفدين والوسطاء” والقنوات الخلفية التي طبعت العقدين الماضيين.
أبعاد الدبلوماسية اللبنانية الأميركية
في هذا السياق، يرى أستاذ التاريخ السياسي، الدكتور عماد مراد، عبر “لبنان24″، أن الأحداث في علم التاريخ تتشابه ولكنها لا تتكرر، مما يجعل مقولة “التاريخ يعيد نفسه” غير دقيقة علميًّا. ويظهر هذا التشابه جليًّا عند مقارنة وضع بلد صغير غارق في النزاعات منذ خمسين عاماً مثل لبنان، بطبيعة علاقته واستغاثته بدولة كبرى ذات تأثير سياسي واقتصادي وعسكري نافذ كالولايات المتحدة الأميركية. فلبنان يحمل هوية ونظاماً ليبرالياً وثقافة ديمقراطية بالإجمال تشبه التفكير الغربي، وهو ما جعل نسبة كبيرة من اللبنانيين يميلون نحو الولايات المتحدة وأوروبا الغربية وحلف الناتو منذ فجر الاستقلال ومع ظهور الثنائية الدولية بين واشنطن والاتحاد السوفيتي.
وقد تجلى هذا الدعم الأميركي تاريخياً في محطات مفصلية؛ أولها في 14 تموز 1958 خلال أواخر عهد الرئيس كميل شمعون، حين تدخلت أميركا لإنقاذ عهده وتأمين نهايته وحماية الجمهورية، انطلاقاً من إيمانها بقيام الدولة اللبنانية. ورغم أن واشنطن سمحت أو طلبت من السوريين الدخول إلى لبنان عام 1976 للقضاء على منظمة التحرير الفلسطينية، ورغم عدم إيلائها اهتماماً كبيراً للقضية اللبنانية طوال الحرب الأهلية، إلا أنها لم تتخلَّ عن الكيان اللبناني، فرفضت تحويله إلى وطن بديل للفلسطينيين أو تحويله إلى محافظة سورية.
ويضيف مراد، انه في عام 1990، ورغم سماحها لسوريا بالقضاء على حركة ميشال عون وتسليمها السلطة بالكامل لدمشق بعد اتفاق الطائف، حافظت أميركا على بقاء لبنان “الدولة والكيان”. ثم تلاقت الإرادة الأميركية في عهد جورج بوش الابن عام 2005 مع نضال لبناني استمر ثلاثين عاماً، مما أثمر الى خروج “الوصاية السورية” من لبنان رغم الأثمان الغالية من دماء وشهداء وانقسام.
ويتابع مراد، ان اليوم، وبعد ثمانية عشر عاماً من هيمنة حزب الله وسطوته على السياسة والحكم والأمن والاقتصاد، تقف الولايات المتحدة إلى جانب لبنان في مشروع نزع سلاح الحزب وإقامة دولة سيدة حرة تملك سلاحاً واحداً وحكماً وجيشاً وقضاءً واحداً، حيث يعارض الرئيس دونالد ترامب هذا السلاح والشرعية الموازية ويرفض استمرار الهيمنة الإيرانية كما كانت قبل عام 2024.
ويرى مراد، انه حان الوقت لعقد لقاء مباشر بين الرئيس الأميركي ورئيس الجمهورية اللبنانية جوزاف عون، الذي يدخل هذا المسار متسلحاً بدعم شعبي وتأييد قوى وأحزاب سيادية وبالدستور اللبناني، بهدف استكمال خريطة الطريق نحو دولة منزوعة السلاح، ونيل دعم أميركي كامل لمواجهة حزب الله والبيئة الحزبية الداعمة له، وقطع الهيمنة الإيرانية لإعادة البيئة الشيعية المرتبطة بطهران إلى حضن المجتمع اللبناني. كما يهدف اللقاء حسب مراد، إلى طلب دعم واشنطن لتطبيق القرارات الحكومية السيادية المتخذة في آب 2025 وآذار 2026 لبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها.
كما يعتبر مراد، أن نهاية هذا المشوار الطويل، القائم على الدعم الأميركي وتطبيق القرارات الدولية لمنع التسلح المستمر منذ خمسين عاماً، ستمهد للسعي نحو انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان. وسيترافق ذلك مع طلب الرئيس عون دعماً مالياً وعسكرياً أكبر في العتاد ونوعية الأسلحة لتثبيت قوة الجيش ونشره لحفظ الحدود ومنع الإخلال بالأمن أو التعدي على المقرات الرسمية، مع تقديم الشكر لأميركا على دعمها المستمر للمؤسسة العسكرية.
تُثبت تجارب العقود الماضية أن الدعم الخارجي لا يصنع استقراراً ما لم ترافقه إرادة داخلية قادرة على بناء دولة القانون وترسيخ حصرية السلاح. إن التفاهمات المرتقبة مع واشنطن لدعم الجيش وتطبيق القرارات السيادية المتخذة، تفتح الباب أمام انسحاب إسرائيلي كامل من الجنوب ووضع حد للنزيف الممتد. لكن نجاح هذه الخارطة لا يتوقف على التعهدات الدولية فحسب، وتظل العبرة في قدرة اللبنانيين على تحويلها إلى فرصة للتحرر من السلاح خارج إطار الدولة، وإعادة الجميع إلى كنف المؤسسات، وتأمين العبور نحو إنهاء عقود من الحروب والوصايات والأزمات. ليتوج هذا المسار بسلامٍ واستقرار حقيقيين، فتكون الدبلوماسية في خدمة لبنان أولاً وأخيراً.










اترك ردك