ورغم أن هذا المسار لا يزال في بداياته، إلا أن التجربة الأولى لم تقدّم حتى الآن نموذجاً يمكن البناء عليه. فالانسحاب الإسرائيلي من زوطر بقي أقرب إلى إعادة تموضع منه إلى انسحاب فعلي، ما أبقى الشكوك قائمة حول قدرة هذا النموذج على الانتقال إلى مراحل أوسع. وتزداد أهمية هذا الاختبار مع تداول معطيات تحدثت عن خطة الانتقال إلى مرحلة جديدة تقوم على توسيع نطاق “المناطق التجريبية” عبر إدراج مناطق إضافية ضمن آلية التنفيذ، بما يجعل نجاح التجربة الأولى شرطاً عملياً لأي خطوة لاحقة.
واذا كان نجاح المرحلة الأولى لا يزال موضع اختبار، فإن الساعات الأخيرة حملت أول مؤشر ميداني قد يفرض نقاشاً جديداً حول آلية تنفيذ الاتفاق. إذ كشفت وسائل إعلام اسرائيلية أن الجيش اللبناني أبلغ آلية التنسيق بعثوره على مخزن أسلحة تابع لـ”حزب الله” داخل إحدى المناطق التجريبية، وهو ما فتح باب التساؤلات حول ما إذا كانت هذه الخطوة قد تنعكس على العلاقة بين الجيش و”الحزب” مع دخول الاتفاق مرحلة أكثر حساسية.
الا أن هذا الربط لا يبدو متسرعاً فحسب، بل يتجاهل طبيعة المقاربة التي حكمت تنفيذ الاتفاق منذ بدايته. فبحسب مصادر متابعة، تبقى الحساسية الأساسية بالنسبة إلى “حزب الله” مرتبطة بآلية تفتيش الجيش لبعض المنازل والمنشآت، انطلاقاً من انعكاس ذلك على العلاقة مع الأهالي، أكثر من ارتباطها بعمل المؤسسة العسكرية بحد ذاته. لذلك، تستبعد المصادر أن يقود العثور على مخزن أسلحة إلى أي صدام بين “الحزب” والجيش، معتبرة أن الطرفين يدركان أن أي احتكاك داخلي سيشكّل خدمة مجانية لإسرائيل في هذه المرحلة.
في المقابل، تطرح أوساط متابعة قراءة مختلفة لهذا التطور، إذ ترجّح أن يكون الكشف عن المخزن جزءاً من مسار يهدف إلى إظهار أن الجيش ينفذ المهام الموكلة إليه، بما يسحب من إسرائيل أي ذريعة للتشكيك في تطبيق الاتفاق ويحدّ من قدرتها على استخدام هذا الملف كورقة ضغط في المفاوضات.
غير أن التطورات الميدانية لم تقتصر على ما أثير حول مخزن السلاح. ففي الوقت الذي يدور فيه الحديث عن الانتقال إلى مرحلة جديدة من “المناطق التجريبية”، شهدت إحدى البلدات الجنوبية تطوراً معاكساً تماماً للمسار الذي يفترض أن يحكم تنفيذ الاتفاق. إذ تقدمت القوات الإسرائيلية باتجاه بلدة المنصوري، ما اضطر الجيش اللبناني إلى الانسحاب من المنطقة، قبل أن تدخل القوات الإسرائيلية وتنفذ عمليات تفخيخ وتفجير، في مشهد أعاد خلط الأوراق ميدانياً، وطرح علامات استفهام حول مدى التزام إسرائيل بالقواعد نفسها التي يفترض أن تقوم عليها هذه الآلية.
ولا تقتصر أهمية ما جرى على البعد الميداني فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى توقيته أيضاً. فبينما تنصبّ الأنظار على اختبار قدرة الجيش على إدارة المناطق التي يتسلّمها، تعيد إسرائيل، من خلال تحركاتها، إنتاج الوقائع التي يفترض أن الاتفاق جاء لتغييرها. وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول ما إذا كانت “تل أبيب” تسير فعلاً في اتجاه إنجاح هذا النموذج، أم أنها تحاول إبقاء هامش يسمح لها بتغيير المشهد العسكري كلما اقتضت حساباتها السياسية أو التفاوضية.
وعليه، لا يبدو أن التحدي الحقيقي أمام “المناطق التجريبية” يتمثل في العثور على مخزن سلاح هنا أو تنفيذ إجراء أمني هناك، بقدر ما يتمثل في قدرة هذا النموذج على الصمود أمام الوقائع التي تفرضها إسرائيل على الأرض. فنجاح التجربة لن يُقاس بعدد القرى التي تُدرج ضمنها، بل بمدى تحولها إلى آلية تفرض انسحاباً إسرائيلياً فعلياً وتكرّس حضور الدولة اللبنانية بصورة مستقرة. وحتى يتحقق ذلك، ستبقى كل خطوة جديدة عرضة للاختبار، وسيبقى الاتفاق نفسه أمام امتحان مفتوح لم تُحسم نتائجه بعد.











اترك ردك