زعم تقرير حديث صادر عن مركز “ألما” الإسرائيلي للأبحاث أن إيران تسعى إلى استغلال الممر البري الجديد الذي ينقل المازوت من العراق إلى ميناء بانياس السوري، لنقل الأسلحة ودعم “حزب الله”، معتبراً أن هذا المسار قد يشكل بديلاً عن طرق الإمداد التقليدية التي تأثرت بالتطورات الأمنية في المنطقة.
وأوضح التقرير أن الممر الجديد افتُتح في نيسان الماضي كبديل لتصدير النفط العراقي بعد الاضطرابات التي شهدتها حركة الملاحة في مضيق هرمز، إذ باتت مئات صهاريج الوقود تعبر يومياً معبر “الوليد – التنف” نحو الأراضي السورية، قبل أن تفرغ حمولتها في ميناء بانياس، حيث يُعاد تحميلها على ناقلات بحرية متجهة إلى الأسواق العالمية. واعتبر أن هذا المشروع يمنح العراق منفذاً بديلاً لتصدير الوقود بعيداً عن الخليج، بينما تستفيد سوريا من رسوم العبور واستعادة دورها كممر للطاقة بين العراق والبحر الأبيض المتوسط.
ورغم الأهداف الاقتصادية للمشروع، زعم التقرير أن الممر نفسه قد يتيح لإيران فرصة جديدة لتمرير الأسلحة إلى حلفائها عبر إخفائها داخل حركة النقل التجارية. وقال إن هذا الاحتمال لم يعد مجرد سيناريو نظري، مستشهداً بإعلان وزارة الداخلية السورية، في 16 تموز، إحباط محاولة تهريب شحنة كبيرة من الأسلحة المتطورة إلى “حزب الله”، بعدما ضُبطت داخل صهريج نفط كان متجهاً إلى بانياس.
وبحسب التقرير، ضمت الشحنة طائرات مسيّرة من نوع (FPV)، ورؤوساً حربية للمسيّرات، وكابلات ألياف ضوئية، وصواريخ مضادة للدبابات، بينها نظام “ألماس” الإيراني، إضافة إلى مكونات تُستخدم في صواريخ “باوه” المجنحة التي سبق أن استخدمها “حزب الله”. كما رجّح التقرير أن تكون جهات على الجانب العراقي قد ساعدت في تمرير الشحنة عبر الحدود، مشيراً إلى أن رئيس الوزراء العراقي أمر بتشكيل لجنة تحقيق والتنسيق مع دمشق لكشف ملابسات القضية.
ورأى التقرير أن هذه الواقعة كشفت هشاشة الرقابة على الممر الجديد، موضحاً أن أمنه يعتمد على منظومتين حدوديتين تعانيان من نقص الموارد والفساد وتعدد مراكز النفوذ، فضلاً عن وجود جماعات مسلحة موالية لإيران تتمتع بنفوذ داخل مؤسسات الدولة العراقية والبنية التحتية المدنية، ما يزيد من صعوبة مراقبة حركة الشاحنات بصورة كاملة.
وأشار التقرير إلى أن المشروع بدأ كمرحلة تجريبية بعدما منحت شركة تسويق النفط العراقية “سومو” عقوداً لأربعة تجار لنقل نحو 650 ألف طن متري من زيت الوقود شهرياً عبر سوريا خلال الفترة الممتدة بين نيسان وحزيران، إلا أن عمليات النقل استمرت أيضاً خلال تموز، ما يشير إلى تحول المشروع من تجربة مؤقتة إلى ممر نشط لحركة الطاقة بين البلدين.
وأضاف أن النشاط اللوجستي للممر ازداد بشكل ملحوظ، إذ استقبل ميناء بانياس ما يقارب 900 شاحنة صهريج يومياً خلال بعض الفترات، في حين كانت تُحمّل ناقلة نفط كل سبعة إلى عشرة أيام. ولفت إلى أنه خلال شهري حزيران وتموز جرى تحميل ثلاث ناقلات من طراز “أفراماكس” بنحو 1.42 مليون برميل من زيت الوقود العراقي، كانت وجهتها السوق الأميركية، الأمر الذي منح هذا الممر أهمية تتجاوز الإطار المحلي والإقليمي.
وأشار التقرير إلى أن نقل هذه الكميات تطلّب استخدام ما يزيد على سبعة آلاف شاحنة صهريج، مؤكداً أن هذه الصادرات تمت في إطار عقود تجارية أبرمتها “سومو” مع تجار عراقيين، من دون الكشف عن أسماء المشترين النهائيين أو المصافي التي استقبلت الشحنات في الولايات المتحدة. واعتبر أن وصول النفط العراقي المنقول عبر سوريا إلى السوق الأميركية يمنح واشنطن مصلحة مباشرة في أمن هذا المسار.
وفي موازاة نقل النفط بالشاحنات، لفت التقرير إلى وجود مشروع أكبر لإعادة تأهيل وبناء خط أنابيب يمتد من العراق إلى ميناء بانياس. وأوضح أن العراق وسوريا وقّعا في تموز مذكرة تفاهم في واشنطن للمضي بالمشروع بحضور وزير الطاقة الأميركي، كما وُقعت مذكرة أخرى مع تحالف يضم شركتي “شيفرون” و”تي آي كابيتال” الأميركيتين وشركة “يو سي سي القابضة” القطرية لإعداد الدراسات الفنية والمالية، فيما رحبت الخارجية الأميركية بالمشروع واعتبرته بنية تحتية ذات أهمية استراتيجية.
ورغم ذلك، شدد التقرير على أن محاولة تهريب الأسلحة لا تعني أن تجارة النفط بأكملها تُستخدم لهذا الغرض، لكنها تُظهر، بحسب وصفه، أن إيران وحلفاءها أدركوا إمكانية استغلال الحركة التجارية الكثيفة لإخفاء شحنات عسكرية. وأضاف أن شبكات التهريب لا تحتاج إلى السيطرة على كامل الممر، بل يكفي تعاون عدد محدود من السائقين أو موظفي الجمارك أو العاملين في نقاط العبور لإدخال شحنة غير مشروعة وسط آلاف الرحلات التجارية، في وقت يصبح فيه تفتيش كل شاحنة بصورة دقيقة أمراً بالغ الصعوبة.
واعتبر التقرير أن صهاريج الوقود تُعد وسيلة مثالية للتمويه، نظراً لكبر حجمها وإحكام إغلاقها وصعوبة تفتيشها بالكامل، فضلاً عن أن تعطيلها لإجراء عمليات فحص دقيقة يؤدي إلى تأخير حركة التجارة وارتفاع الكلفة. وأضاف أن إيران استخدمت على مدى سنوات شاحنات مدنية وشركات نقل ووثائق تجارية لإخفاء عمليات نقل عسكرية عبر ما وصفه بـ”المحور الشيعي”، معتبراً أن تعطل طرق الإمداد السابقة بعد سقوط نظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد سيدفعها إلى التكيف مع الواقع الجديد عبر الاندماج أكثر في البنية التحتية المدنية وشبكات التجارة.
كما ربط التقرير بين هذه التطورات وانسحاب القوات الأميركية من قاعدة التنف في شباط 2026، معتبراً أن الانسحاب أزال طبقة مهمة من الرقابة والردع التي كانت تعيق التحركات الإيرانية على هذا الطريق. وأشار إلى أن ضبط شحنة الأسلحة بعد أشهر قليلة من الانسحاب لا يكفي لإثبات وجود علاقة مباشرة، لكنه يثير تساؤلات حول عدد الشحنات التي ربما عبرت من دون اكتشاف، خصوصاً في ظل تقارير محلية تحدثت عن محاولات تهريب سابقة عبر هذا الممر.
وفي جانب التوصيات، دعا التقرير الولايات المتحدة إلى عدم الاكتفاء بدعم مشروع ممر الطاقة، بل ربط أي توسع فيه بإجراءات أمنية صارمة، تشمل الفحص التقني للشاحنات عند المعابر الحدودية، واستخدام أنظمة تتبع عبر الأقمار الاصطناعية، وأختام إلكترونية غير قابلة للعبث، والتحقق من الحمولة في العراق ومطابقتها مع الكميات التي تصل إلى سوريا، إضافة إلى تنفيذ عمليات تفتيش مفاجئة لا تعتمد فقط على موظفي الحدود المحليين. كما أوصى بإنشاء آلية استخباراتية مشتركة تضم الولايات المتحدة والعراق وسوريا ودولاً أخرى، للكشف عن أي صلات محتملة بين شركات النقل أو التجار أو السائقين و”الحرس الثوري الإيراني” أو أذرعها.
وخلص التقرير إلى أن ممر النفط الممتد من العراق إلى بانياس يمثل تحولاً مهماً في مشهد الطاقة الإقليمي، إذ يمنح العراق منفذاً بديلاً عن مضيق هرمز، ويوفر لسوريا مورداً اقتصادياً جديداً، لكنه قد يتحول أيضاً – إذا غابت الرقابة الأمنية – إلى وسيلة تستغلها إيران لإعادة بناء قدرات “حزب الله” ونقل مكونات عسكرية إلى لبنان تحت غطاء حركة التجارة المشروعة، داعياً واشنطن إلى التعامل مع أمن سلاسل التوريد باعتباره جزءاً أساسياً من أمن الطاقة في المنطقة.












اترك ردك