لماذا يجب على الولايات المتحدة أن تتخلى عن الشرق الأوسط؟.. تقرير لـ”Foreign Affairs” يجيب

يرى تقرير نشره موقع Foreign Affairs أن الوقت قد حان لأن تعيد الولايات المتحدة النظر جذريًا في سياستها تجاه الشرق الأوسط، معتبرًا أن المصالح التي دفعتها لعقود إلى الانخراط العسكري والسياسي المكثف في المنطقة لم تعد قائمة بالدرجة نفسها، في حين أصبحت كلفة هذا الانخراط تفوق المكاسب التي يحققها.

ويشير التقرير الّذي ترجمه “لبنان 24″،  إلى أن السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط تشكلت تاريخيًا حول ثلاثة أهداف رئيسية: ضمان تدفق النفط، وحماية إسرائيل، ومنع ظهور قوة إقليمية مهيمنة تهدد المصالح الأميركية. إلا أن التطورات التي شهدها العالم خلال العقدين الأخيرين جعلت هذه المرتكزات أقل إلحاحًا بالنسبة لواشنطن.

ويؤكد التقرير أن الولايات المتحدة أصبحت من كبار منتجي الطاقة، ولم تعد تعتمد على نفط الشرق الأوسط كما في السابق، بينما باتت اقتصادات آسيوية مثل الصين والهند الأكثر اعتمادًا على نفط الخليج، ما يعني أن العبء الأكبر في حماية طرق إمدادات الطاقة لم يعد ينبغي أن يقع على عاتق واشنطن وحدها.

كما يرى التقرير أن إسرائيل تمتلك اليوم قدرات عسكرية واستخباراتية واقتصادية متقدمة تجعلها أكثر قدرة على الدفاع عن نفسها مقارنة بالماضي، وبالتالي لم تعد بحاجة إلى المستوى نفسه من الانخراط العسكري الأميركي المباشر في المنطقة، مع استمرار الشراكة الاستراتيجية بين الجانبين.

وفي ما يتعلق بإيران، يلفت التقرير إلى أن احتواء التهديدات الإيرانية لا يستوجب بالضرورة وجودًا عسكريًا أميركيًا واسعًا، بل يمكن تحقيقه من خلال الردع، والتحالفات الإقليمية، والدبلوماسية، والعقوبات، مع تجنب الانزلاق إلى حروب جديدة تستنزف الموارد الأميركية.

ويرى التقرير بأن التجارب الأميركية في العراق وأفغانستان أثبتت حدود القوة العسكرية، إذ أنفقت الولايات المتحدة تريليونات الدولارات وخسرت آلاف الجنود، من دون أن تتمكن من إعادة تشكيل المنطقة أو فرض أنظمة مستقرة موالية لها، ما أظهر أن التدخل العسكري لا يحقق دائمًا الأهداف السياسية المرجوة.

ويضيف التقرير أن القوى الإقليمية أصبحت أكثر استقلالية في قراراتها، حتى الحلفاء التقليديون لواشنطن، مثل إسرائيل والسعودية، لم يعودوا يستجيبون دائمًا للرغبات الأميركية، بل باتوا يتخذون قراراتهم وفقًا لمصالحهم الوطنية، الأمر الذي يقلل من قدرة الولايات المتحدة على توجيه مسار الأحداث في المنطقة.

وبحسب التقرير، فإن الأولوية الاستراتيجية الحقيقية للولايات المتحدة أصبحت تتمثل في المنافسة مع الصين، ومواجهة روسيا، والاستثمار في التكنولوجيا والاقتصاد، وهي ملفات تتطلب تحويل الموارد والاهتمام بعيدًا عن الشرق الأوسط. ويرى أن استمرار الانغماس في أزمات المنطقة يشتت الجهد الأميركي ويقوض قدرتها على مواجهة التحديات العالمية الأكثر أهمية.

ولا يدعو التقرير إلى انسحاب أميركي كامل من الشرق الأوسط، بل إلى اعتماد سياسة تقوم على “الانخراط المحدود”، بحيث تحافظ واشنطن على وجود عسكري ودبلوماسي كافٍ لحماية مصالحها الأساسية، والتدخل فقط عند الضرورة القصوى، مع ترك مساحة أكبر للدول الإقليمية لتحمل مسؤولية أمنها وإدارة أزماتها بنفسها.

ويخلص التقرير إلى أن الولايات المتحدة لن تغادر الشرق الأوسط بصورة كاملة، لكنها مطالبة بالتخلي عن فكرة أنها اللاعب الوحيد القادر على إدارة المنطقة، معتبرًا أن اتباع سياسة أكثر تواضعًا وواقعية سيمنحها قدرة أكبر على حماية مصالحها العالمية، ويجنبها التورط في صراعات طويلة ومكلفة لا تحقق عوائد استراتيجية تتناسب مع أثمانها.