وتهدف الخطوات الإسرائيلية إلى حماية القوات والمواقع العسكرية في جنوب لبنان وعلى طول الحدود، وتقليص الفترة بين رصد المسيّرة واعتراضها، فضلاً عن خفض الاعتماد على الصواريخ الدفاعية الباهظة الثمن في مواجهة طائرات يمكن تجميعها بقطع تجارية متوافرة في الأسواق.
وتبرز أهمية هذه الجهود مع توسع “حزب الله” في استخدام طائرات “FPV” الانتحارية، التي يوجهها المشغّل عبر كاميرا مثبتة في مقدمتها. وذكرت وكالة “رويترز” أن كلفة الطائرة الأساسية من هذا النوع تقل عن 400 دولار، في حين يمكن تزويدها برؤوس متفجرة وتحويلها إلى سلاح دقيق لضرب الجنود والآليات.
وبحسب “رويترز”، استخدم الحزب أيضاً مسيّرات مرتبطة بمشغليها بواسطة كابلات من الألياف الضوئية، ما يجعلها أقل تأثراً بالتشويش الإلكتروني الذي يستهدف موجات الاتصال أو نظام تحديد المواقع “GPS”. كذلك، يسمح لها صغر حجمها وبصمتها الحرارية المحدودة بالتحليق ببطء وعلى ارتفاع منخفض، والاستفادة من تضاريس الجنوب لتجنب الرصد.
وقال مسؤول دفاعي إسرائيلي للوكالة إن الجيش يواجه صعوبة في اكتشاف هذه المسيّرات وتحييدها، لأن مشغليها يعرفون طبيعة المنطقة جيداً. وأشار التقرير إلى أن إذاعة الجيش الإسرائيلي تحدثت عن إصابة نحو 40 جندياً بهجماتها، فيما أقر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، في أيار، بوجود مشكلة وأعلن إطلاق مشروع خاص لمواجهة التهديد.
وتعتمد الخطة الإسرائيلية على بناء دفاع متعدد الطبقات، يبدأ بالرادارات والمستشعرات البصرية والصوتية، ثم ينتقل إلى تحديد هوية المسيّرة ومسارها، قبل اختيار وسيلة الاعتراض الأنسب، سواء بالتشويش أو السيطرة الإلكترونية أو الليزر أو النيران المباشرة.
ومن أبرز الأنظمة “الشعاع الحديدي”، الذي طورته شركتا “رافائيل” و”إلبيت سيستمز”، ويستخدم أشعة ليزر عالية الطاقة لاعتراض المسيّرات والصواريخ وقذائف الهاون. ويتميز بانخفاض كلفة الاعتراض مقارنة بالصواريخ الدفاعية، لكنه يحتاج إلى إبقاء الهدف ضمن مجال الرؤية المباشرة، كما قد تتأثر فاعليته بالغيوم والغبار والدخان والظروف الجوية.
وكانت وزارة الدفاع الإسرائيلية قد أعلنت عام 2025 أن منظومات ليزر جرى تشغيلها ميدانياً أسقطت عشرات المسيّرات التي أطلقها “حزب الله” خلال مواجهات عام 2024، قبل إدخال النسخة الكاملة من “الشعاع الحديدي” ضمن شبكة الدفاع الجوي.
وطورت “رافائيل” أيضاً منظومة “لايت بيم”، وهي سلاح ليزر تكتيكي بقوة عشرة كيلوواط يمكن تثبيته على مركبات عسكرية. وصُممت المنظومة لحماية القوات البرية والمنشآت من المسيّرات الصغيرة والمنخفضة الارتفاع، وتقول الشركة إن مدى اعتراضها يصل إلى ثلاثة كيلومترات.
وتضم الحلول الأخرى منظومة “درون دوم”، التي ترصد المسيّرات وتتعقبها قبل التشويش عليها أو إسقاطها، إلى جانب “درون غارد” التابعة للصناعات الجوية الإسرائيلية، التي تجمع بين الرادارات والمستشعرات البصرية وتحليل التهديدات بواسطة الذكاء الاصطناعي.
كذلك، طورت شركة “سمارت شوتر” منظومة “سماش هوبر”، وهي محطة رشاش تُشغّل عن بُعد وتستخدم تقنيات التعرف إلى الهدف وتعقبه والتحكم بالنيران، بهدف زيادة دقة إصابة المسيّرات الصغيرة. ويمكن تثبيتها على مركبات أو أبراج ومواقع أرضية لحماية القوات والمنشآت.
أما الحلول الأقل تعقيداً، فتشمل نصب شبكات فوق المواقع والآليات وتطوير إضافات لبنادق الجنود تساعدهم على استهداف المسيّرات من مسافات قريبة. وسبق استخدام الشباك على نطاق واسع في الحرب الأوكرانية لحماية الطرق والمواقع من طائرات “FPV”.
وفي هذا السياق، كشفت القناة الـ13 العبرية عن رشاش آلي يعتمد على الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى منظومة إلكترونية تحمل اسم “هيبنوسيس”، طورتها الصناعات الجوية الإسرائيلية لتعطيل أجهزة الملاحة والأقمار الصناعية الخاصة بالمسيّرات بهدف إسقاطها.
وتحدثت القناة أيضاً عن حل منخفض الكلفة طورته شركة “أيروناتس سيستمز”، ويعتمد على مدفع غازي أرضي يطلق شبكة في الهواء، لتلتف حول أجنحة المسيّرة وتمنعها من الوصول إلى هدفها.
غير أن تعدد هذه التقنيات يعكس عدم توصل إسرائيل حتى الآن إلى حل واحد وشامل، فقد أفادت “رويترز” بأن منظومة اعتراض جديدة اختبرها سلاح الجو الإسرائيلي في نيسان لم تنجح، فيما يرى مسؤولون إسرائيليون أن تطوير إجراءات فعالة قد يستغرق أسابيع أو أشهراً.
ويتمثل التحدي في أن كل وسيلة تعالج نوعاً محدداً من التهديد: فالتشويش قد يكون فعالاً ضد المسيّرات المرتبطة لاسلكياً بمشغّلها، لكنه لا يجدي بالفاعلية نفسها ضد الطائرات الموجهة بالألياف الضوئية أو المبرمجة مسبقاً. أما الليزر فيوفر اعتراضاً منخفض الكلفة، لكنه يخضع لقيود الطقس ومدى الرؤية، بينما تحتاج الرشاشات والشباك إلى اقتراب المسيّرة لمسافات قصيرة.
وبالتوازي مع الجانب الدفاعي، تعتمد إسرائيل على مهاجمة مشغلي المسيّرات ومواقع إطلاقها، باعتبار أن تدمير الطائرة بعد إطلاقها لا يوقف الطاقم المسؤول عن تشغيلها. إلا أن هذا المسار يحمل أيضاً مخاطر توسيع العمليات العسكرية داخل الأراضي اللبنانية.
وتتزامن هذه الجهود مع اعتزام الحكومة الإسرائيلية تخصيص مليار شيكل إضافي لوزارة الدفاع خلال عام 2026، لتمويل مشتريات أمنية سرية وعاجلة، وفق القناة الـ13، في مؤشر إلى تحول مواجهة المسيّرات إلى أولوية متقدمة في خطط الجيش والصناعات الدفاعية الإسرائيلية.











اترك ردك