من مجلس النواب، شدد سلام على أن الحكومة لا تتدخل في عمل المجلس، مطالباً النواب، في المقابل، بعدم التدخل في عمل الحكومة، ومتمسكاً بمبدأ فصل السلطات وبصلاحيات رئيس الحكومة في الإشراف على عمل مجلس الوزراء. في المقابل، تمسك عدد من النواب بحق وزير الدفاع في عرض ملاحظات وزارته والمؤسسة العسكرية بشأن قانون يمس بصورة مباشرة ملفات الجيش والأمن والسجون.
وبذلك، خرج الخلاف من إطاره التشريعي. فالسؤال لم يعد محصوراً في مضمون قانون العفو، بل بات يتصل بمن يملك حق التعبير عن موقف السلطة التنفيذية أمام البرلمان: هل يستطيع الوزير عرض موقف وزارته بصورة مباشرة، أم أن التضامن الحكومي يفرض أن يكون الكلام حصراً عبر رئيس الحكومة؟ وذلك علماً بأن للوزير حق التكلم وفق المادة 66 من الدستور.
حاول رئيس مجلس النواب نبيه بري احتواء الأزمة وتأمين استمرار الجلسة، لكن تباعد المواقف جعل التصويت أمراً بالغ الصعوبة. وتمسك نواب التيار الوطني الحر بحضور وزير الدفاع وإتاحة المجال أمامه للكلام، فيما التزمت كتل أخرى موقف رئيس الحكومة، الذي بقي متشبثاً برأيه بأن لا ضرورة لعودة وزير الدفاع وإلقاء كلمته وعندها، انسحب عدد من النواب، بينهم نواب التيار الوطني الحر وحزب الله وعدد من أعضاء كتلة التنمية والتحرير، ما أدى إلى فقدان النصاب ودفع بري إلى رفع الجلسة إلى اليوم.
وبحسب المعلومات، طرحت في أروقة المجلس، بعد عملية الانسحاب، تسوية تقوم على ثلاثة بنود: رفع الجلسة، ودعوة وزير الدفاع إلى عرض موقفه في جلسة اليوم، والعودة إلى الصيغة الأساسية للجان المشتركة التي تستثني الأحكام المبرمة في المادة الخامسة. وقد تبنى حزب الله وحركة أمل هذا الطرح، الذي نقله النائب علي حسن خليل إلى داخل القاعة العامة، بانتظار موقف الكتل الاخرى اليوم ، وسط توقع موافقة التيار الوطني الحر عليه اليوم. وفي موازاة ذلك، أشارت المعلومات إلى اتصالات أجراها رئيس الجمهورية مع عدد من النواب، مبدياً استياءه من طريقة التعاطي مع وزير الدفاع.
ويبدو أن أزمة الجلسة أخفت وراءها خلافاً أكثر عمقاً حول مضمون قانون العفو والتعديلات المقترحة عليه، ولا سيما تلك التي تقدم بها 23 نائباً سنياً، و استبدال عقوبة الإعدام بالأشغال الشاقة المؤبدة، بما قد يفتح الباب أمام إعادة احتساب عقوبات عدد من المحكومين. وقد اكتسب هذا التعديل حساسية إضافية لارتباط القانون بملفات وأسماء ذات خلفيات أمنية وسياسية ومذهبية، من بينها ملف الشيخ أحمد الأسير. وعند هذه النقطة، يتضح أن النقاش لا يدور فقط حول فلسفة العقوبة أو جدوى العفو، بل أيضاً حول المستفيدين الفعليين من القانون، وحدود مفاعيله، وانعكاساته على الدولة والجيش والقضاء. وفي هذا السياق، فإن الإبقاء على استثناء الأحكام المبرمة، كما نصّت عليه المادة الخامسة، يعني عملياً إبقاء أحمد الأسير خارج مفاعيل قانون العفو.
الأكثر دلالة في جلسة الأمس أن الخلاف لم يبقَ بين البرلمان والحكومة، بل ظهر داخل الحكومة نفسها. فسلام تمسك بأن رئيس الحكومة هو المخوّل التعبير عن موقفها أمام مجلس النواب. أما وزير الدفاع، فيرى أن مسؤوليته تفرض عليه عرض موقف وزارته والمؤسسة العسكرية في قانون ستكون له انعكاسات مباشرة على الجيش.
وهنا تكمن العقدة الدستورية والسياسية: هل التضامن الوزاري يعني وحدة الموقف الحكومي فقط، أم يمنع الوزير أيضاً من عرض ملاحظات وزارته أمام البرلمان؟ وهل ممارسة البرلمان لدوره الرقابي تتعارض مع صلاحيات الحكومة، أم أن الرقابة جزء أصيل من النظام البرلماني؟ أسئلة تتجاوز قانون العفو نفسه، لتلامس مستقبل العلاقة بين مؤسسات الدولة وحدود الاختصاص داخل السلطة التنفيذية.
وعند استئناف الجلسة اليوم، لن يكون مجلس النواب أمام مجرد مشروع قانون، بل أمام اختبار لقدرته على إنتاج تشريع يحظى بغطاء سياسي وقانوني، من دون أن يتحول إلى صفقة ظرفية. وفي المقابل، ستكون الحكومة أمام اختبار لا يقل حساسية، يتعلق بقدرتها على احتواء الخلاف بين رئيسها ووزير الدفاع والحفاظ على تماسكها الداخلي، وسط معلومات عن اتصالات بدأت بعد انتهاء الجلسة لجمع رئيس الحكومة ووزير الدفاع إلى العشاء. وفي الوقت نفسه، سيكون على البرلمان أن يثبت أن ممارسة دوره الرقابي لا تتناقض مع مبدأ فصل السلطات، وأن الخلاف على الصلاحيات لا يتحول إلى تعطيل للعمل التشريعي.
وعليه، لم يعد السؤال فقط: هل يمر قانون العفو؟ وبأي صيغة سيمر؟ فما جرى في مجلس النواب قد يكون، في نهاية المطاف، اختباراً أوسع لطريقة إدارة الدولة لخلافاتها، ولقدرة مؤسساتها على الفصل بين الصراع السياسي وممارسة الاختصاص الدستوري.











اترك ردك