فالدول لا تقاس فقط بقدرتها على سن القوانين، بل أيضًا بالفلسفة التي تحكم هذه القوانين. ومن هنا، فإن أي نقاش حول إلغاء عقوبة الإعدام أو إصدار قانون عفو عام لا يمكن عزله عن المرحلة التي يعيشها لبنان، حيث تتقاطع محاولات إعادة بناء الدولة مع تحديات أمنية وسياسية واقتصادية غير مسبوقة.
لكن هذا المبدأ، على أهميته، يفرض في المقابل مسؤولية أكبر على الدولة. فإذا كانت ستتخلى عن أقصى العقوبات، فعليها أن تبني قضاءً أكثر استقلالًا، وسجونًا أكثر إنسانية، ومنظومة إصلاحية قادرة على تحقيق العدالة وحماية المجتمع في آن واحد.
أما العفو العام، فله طبيعة مختلفة تمامًا. فهو ليس فلسفة قانونية بقدر ما هو قرار سياسي بامتياز، تلجأ إليه الدول عادة بعد الحروب أو الأزمات الكبرى أو عند الانتقال من مرحلة صراع إلى مرحلة استقرار. غير أن نجاح أي عفو يبقى مرتبطًا بشرط أساسي، وهو ألا يتحول إلى وسيلة لإسقاط المحاسبة أو تبرئة المرتكبين على حساب حقوق الضحايا.
غير أن الخشية تكمن في أن تتحول هذه الملفات إلى مادة جديدة للانقسام السياسي والطائفي، بدلًا من أن تكون مناسبة لحوار وطني حول مستقبل النظام القضائي، ودور الدولة في حماية الحقوق والحريات.
فاللبنانيون اليوم لا يطالبون بقوانين جديدة فحسب، بل يطالبون قبل كل شيء بدولة تطبق القوانين على الجميع من دون استثناء، وقضاء لا يخضع للضغوط، ومؤسسات تستعيد ثقة المواطن.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس عن أهمية الغاء عقوبة الإعدام، أو إقرار العفو العام، بل ما إذا كان قادرًا على بناء عدالة يشعر معها المواطن بأن حقوقه مصانة، وأن القانون لا يميز بين قوي وضعيف، أو بين نافذ وعادي.
فالعدالة لا تُقاس بقسوة العقوبات، كما أنها لا تُختزل بالعفو. العدالة هي أن يعرف كل مواطن أن الدولة تحاسِب عندما يجب أن تحاسب، وتسامح عندما تكون المصالحة في مصلحة الوطن، ولكن من دون أن تفرط بحقوق الناس أو تُسقط هيبة القانون.
اليوم، يقف لبنان أمام اختبار جديد. فإذا أحسن إدارة هذا النقاش، فقد يؤسس لمرحلة قانونية أكثر نضجًا. أما إذا بقيت الحسابات السياسية هي التي تحدد مصير التشريعات، فإن إلغاء الإعدام والعفو العام لن يكونا سوى عنوانين إضافيين في سجل الأزمات اللبنانية، بدلًا من أن يشكلا بداية لمسار جديد يعيد الاعتبار إلى العدالة، ويضعها في خدمة الدولة والمجتمع، لا في خدمة موازين القوى.











اترك ردك