بين المجزرة والاستنزاف: إلى متى يستمر هذا الواقع؟

ما يحصل في الجنوب لا يحتاج إلى كثير من التوصيفات السياسية،  فعندما تُستهدف المناطق المأهولة، ويسقط المدنيون، وتُدمّر المنازل، ويُدفع السكان إلى النزوح والخوف، فإن المشهد يتجاوز كونه مجرد “تصعيد” أو “رسالة عسكرية”. هو، بكل المعايير الإنسانية، مجزرة إسرائيلية، مهما حاول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تقديم رواية مختلفة لما يجري.

المشكلة أن توصيف ما يحصل لا يوقفه، والبيانات والإدانات لا تمنع الغارات، فيما تبدو إسرائيل مستمرة في سياسة فرض الوقائع على الأرض، مستفيدة من ميزان قوى يميل لمصلحتها في هذه المرحلة.

ميزان القوى هو العامل الأول

إسرائيل اليوم تمتلك هامشاً واسعاً في استخدام القوة، وهذا الهامش لم يتكوّن في يوم واحد، ولا يمكن تعديله بقرار سريع؛ فميزان القوى الحالي يسمح لها بالضغط والاستهداف والتدمير، فيما يجد الطرف اللبناني نفسه أمام خيارات محدودة ومعقدة.

تعديل هذا الميزان يحتاج إلى وقت، وهذه حقيقة لا يمكن تجاهلها مهما كانت الشعارات مرتفعة.

وفي المقابل، فإن الرهان على “المقاومة”، بالنسبة إلى بيئتها وجمهورها، يقوم على أنها تعمل على استعادة جزء من هذا التوازن، وليس بالضرورة من خلال معركة شاملة أو قرار متسرع قد تكون كلفته أكبر من قدرته على تحقيق أهدافه.

وهذا ما يجعل المرحلة الحالية أشبه بمرحلة استنزاف طويلة: إسرائيل تضغط عسكرياً، والحزب يحاول الحفاظ على أوراقها، والمجتمع الجنوبي يدفع الكلفة الأكبر.

الدولة اللبنانية: غياب الردع وتوسّع الهامش الإسرائيلي

العامل الثاني يرتبط بالداخل اللبناني؛ فكلما بدا الموقف الرسمي عاجزاً عن فرض كلفة سياسية أو دبلوماسية جدية على إسرائيل، اتسع هامش الحركة أمامها. والأسوأ أن الخلاف الداخلي اللبناني حول السلاح والمقاومة ونزع السلاح تحوّل، في جزء منه، إلى عنصر ضغط إضافي على البيئة الجنوبية.

المشكلة ليست في الاختلاف السياسي بحد ذاته، فهذا أمر طبيعي في أي دولة، وإنما في تحوّل الخلاف الداخلي إلى نقطة ضعف يستفيد منها الخارج.

وفي الوقت الذي يُفترض فيه أن يكون هناك موقف لبناني موحد في مواجهة الاعتداءات، تبدو الساحة الداخلية منقسمة حول أصل المشكلة: هل الأولوية لوقف الاعتداءات الإسرائيلية، أم لمعالجة ملف السلاح أولاً؟
هذا الانقسام يمنح إسرائيل مساحة أكبر للمناورة.

العامل الثالث هو الدور الأميركي؛ فالواقع السياسي والعسكري في المنطقة لا يمكن فصله عن الموقف الأميركي، خصوصاً أن واشنطن تبقى الطرف الأكثر قدرة على التأثير في إسرائيل. ومع استمرار الوساطة الأميركية والمفاوضات، يبدو أن هناك مساحة محددة تتحرك فيها إسرائيل، حتى لو كان هناك تباين بين واشنطن وحكومة نتنياهو حول حجم التصعيد وتوقيته.

وتشير قراءة للمشهد إلى وجود تباين متزايد بين الإدارة الأميركية وحسابات نتنياهو، لا سيما في ظل الاعتبارات السياسية والانتخابية الإسرائيلية. لكن حتى وجود هذا التباين لا يعني أن لبنان بات محصناً من الضربات.

فالاختبار الحقيقي يبقى في قدرة الوساطة الأميركية على تحويل الاعتراضات السياسية إلى قيود فعلية على الأرض.

العامل الرابع ربما يكون الأكثر خطورة على المدى البعيد؛ فما يجري لا يقتصر على استهداف أهداف عسكرية، بل يخلق واقعاً أمنياً يجعل العودة إلى عدد من القرى الجنوبية مسألة شديدة الصعوبة. وكلما طال أمد القصف والتدمير، أصبحت العودة أكثر تعقيداً، ليس بسبب الدمار وحده، بل بسبب الشعور بأن المنطقة نفسها باتت عرضة للاستهداف في أي لحظة.

وهنا يمكن فهم جزء من السياسة الإسرائيلية باعتبارها محاولة لتحويل الجنوب إلى منطقة عالية المخاطر، بحيث تصبح الحياة الطبيعية فيها شبه مستحيلة.

المشكلة أن أياً من هذه الأسباب لا يبدو قابلاً للحل في المدى القصير.

ميزان القوى لا يتغير بين ليلة وضحاها، والدولة اللبنانية تحتاج إلى وقت لتثبيت قدرتها، والموقف الأميركي يبقى مرتبطاً بحسابات إقليمية ودولية، وإسرائيل لا تبدو مستعدة للتخلي سريعاً عن هامشها العسكري، فيما يبقى ملف الحزب والسلاح في قلب التجاذب اللبناني.

لذلك، فإن الاعتقاد بأن الأيام المقبلة ستحمل حلاً سحرياً للجنوب قد يكون وهماً.