بدأت قصة الألوان مع الخط الأخضر عام 1949، في سياق ترتيبات الهدنة التي أعقبت الحرب العربية-الإسرائيلية، قبل أن يصبح “أزرق” مع اعتماد الأمم المتحدة إياه خطاً للتحقق من الانسحاب الإسرائيلي عام 2000.
بعد ذلك، ظهر “الخط الأصفر” في جنوب لبنان في نيسان 2026، بعمق يصل إلى نحو 10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية. ويربط الخبير العسكري خليل الحلو هذا العمق بمدى الأسلحة المضادة للدروع التي يستخدمها “حزب الله”، والتي اُستخدمت، وفق قوله، ضد مواضع إسرائيلية ثابتة، وليس ضد الدبابات فحسب.
أما الجديد فهو “الخط الرمادي”، المطروح بعمق أقل، يقدّره الحلو بنحو 4 إلى 5 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية. وهنا لا يتوقف الأمر عند اختلاف اللون أو المسافة. فالحلو يشكك في المنطق العسكري للطرح، قائلاً: “كانوا يقولون إنهم يحتاجون إلى 10 كيلومترات لحماية الأراضي الإسرائيلية، فإذا وافقوا الآن بنحو خمسة كيلومترات، فلماذا التنازل عن خمسة أخرى من العمق اللبناني؟”. والفارق، بحسبه، لا يتعلق بالعمق وحده. والمعلومات التي اطلع عليها تشير إلى رغبة إسرائيل في إقامة “مواقع ثابتة” داخل الخط الرمادي، في مقابل وجود عسكري متحرك داخل الخط الأصفر. للمفارقة، لا بد من التساؤل: من يرسم هذه الخطوط ومن يختار ألوانها ودلالاتها؟ بحسب الخبير في الشؤون الإسرائيلية عادل شديد، فإن تحديد هذه المناطق وألوانها يتم بتنسيق أميركي-إسرائيلي. ويوضح لـ”النهار” أن الجيش الإسرائيلي، وخصوصاً جهاز الاستخبارات العسكري، يتولى رسم الخطوط في الميدان، فيما تحدَّد المستويات السياسية الإطار العام والمساحة التي تريد إسرائيل الاحتفاظ بها، بالتنسيق مع الإدارة الأميركية. ومع تكرار الاسم في الخرائط والبيانات والمفاوضات، يمكن الخط الملوّن المؤقت أن يتحول تدريجياً إلى مرجع قائم بذاته في الخطاب السياسي والتفاوضي. وهذا ما يجعل تجربة غزة مهمة لفهم ما يجري في لبنان. فالخط الأصفر لم يبدأ في الجنوب اللبناني، بل ظهر أولاً في غزة، حيث حددت إسرائيل خط انتشار جيشها بعلامات ميدانية شملت حواجز وأعمدة مطلية بالأصفر، وقالت إن الهدف هو تحقيق “وضوح تكتيكي”. لاحقاً، استخدم رئيس الأركان الإسرائيلي تعبيراً أكثر وضوحاً عندما وصف “الخط الأصفر” بأنه “خط حدود جديد” و “خط دفاع أمامي”. وفي نيسان 2026، انتقلت التسمية نفسها إلى جنوب لبنان.
وكتب إبراهيم ناصر الدين في” الديار”:
يحتاج جمهور المقاومة الى فهم ما يدور من حوله. ثمة الكثير من الأسئلة دون اجوبة، ماذا جرى في «علي الطاهر»؟ تعزيز انتشار الجيش في منطقة النبطية، عامل اطمئنان او امر يثير القلق من النوايا الإسرائيلية؟ فلماذا يعتصم حزب الله اليوم «بالصمت»، فيما تكسر «اسرائيل» كل التوازنات، وتتعامل مع الحزب وفق فرضية انه «مهزوم…»؟
تشير أوساط مطلعة على الأوضاع الميدانية جنوبا، الى ان حزب الله لا يتعامل مع التصعيد الإسرائيلي باعتباره مجرد حملة انتخابية لرئيس حكومة العدو بنيامين نتانياهو، وانما يتعامل مع ارتفاع نسق الغارات الجوية ومحاولات القضم البرية، باعتبارها خطة معدة سلفا، ويجري العمل على تنفيذها ميدانيا.في ظن «الاسرائيليين» ان محاصرة الحزب سياسيا في الداخل اللبناني، واظهار عجزه عن التدخل عسكريا، كفيل بدفع قيادة حزب الله الى قبول مقاربة جديدة في ملف السلاح. لا تنتظر قيادة حزب الله تجاوز «اسرائيل» لما يعتبر «خطوطا حمراء» للرد على الاعتداءات، لان جيش الاحتلال سبق وتجاوزها خلال الأيام الماضية، باستمرار عمليات الهدم والتفجير في القرى المحتلة، او بالاستهداف المتعمد للمدنيين، لكن للميدان حسابات دقيقة ومعقدة، وكافة السيناريوهات موضوعة على «الطاولة»، إرادة القتال لم تتغير، والتجهيزات اللوجستية لاستئناف العمليات على نطاق اشمل واكثر قوة، يحتاج فقط الى قرار شورى الحزب، بعد ان بلغت الاستعدادات ذروتها..
وكتب ابراهيم حيدر في” النهار”: كارثة الجنوب قد تمتد لسنوات وسنوات وتتخطى مرحلة الاحتلال الذي استمر 22 عاماً حتى 2000، ليعود في 2026 أكثر شراسة، ويحول القرى مناطق غير قابلة للحياة بلا ناس.
الجنوب اليوم أمام كارثة وأكثر ليس من السهل تجاوزها إذا استمر “حزب الله” في رهاناته الإيرانية، ولا يعيد النظر في حساباته طالما أنه غير قادر على إخراج الاحتلال من الجنوب، أو حتى منعه من السيطرة على النبطية، إذ ليس منطقياً أن يبقى على شعاراته التي ورط فيها لبنان منذ حرب الإسناد الأولى ثم الثانية ليواجه البلد وجنوبه حرب 2024 و2026، وهأنذا نحن أمام حرب قد تكون النبطية ضحيتها وصور وكل جبل عامل، فيما الناس تئن تحت وجع النزوح والقتل اليومي. يُهزم “حزب الله” ويأخذ معه البلد إلى الاستنزاف، كل يوم باستمراره في الإنكار والمكابرة، ويعرّض الناس لشتى أنواع الأخطار. لن تكون سردية “حزب الله” اليوم مقنعة في معركة العزة والكرامة والصبر الاستراتيجي، بعد علي الطاهر ووصول الاحتلال إلى تخوم النبطية. ليس على “حزب الله” أمام الحرب الإسرائيلية التدميرية، إلا أن ينزع ثوبه الإيراني، وإذا كان عاجزاً لارتباطه بالحرس الثوري، عليه أن يغَلِّب المصلحة اللبنانية ويبادر إلى تسليم الدولة كل شؤون الجنوب، إذ لا يقتصر الأمر على انتشار الجيش، بل حضور الدولة كمؤسسات وإنهائه سلطة الأمر الواقع، من أجل إنقاذ الجنوب وبيئته.
وما دام هذا الحزب ملتزماً بالقرار الإيراني من دون أن يبادر إلى نقطة لقاء مع الدولة، للعمل على إنقاذ الجنوب، سنكون أمام حرب مستمرة واحتلال طويل الأمد ومعالم متغيرة في الأرض وتهجير مديد وأطلال بلا حياة.










اترك ردك