ما بعد “اليونيفل”… من سيدير أمن الجنوب؟

مع اقتراب مرحلة ما بعد “اليونيفل”، لا يبدو في الظاهر أن المعركة تدور فقط حول القوة التي ستملأ الفراغ، بل حول المرجعية التي ستدير الأمن في الجنوب. فقرار مجلس الأمن 2790 حدّد نهاية ولاية “اليونيفل” في 31 كانون الأول 2026، على أن يبدأ بعد ذلك انسحابها التدريجي خلال عام، مع التشديد على أن تكون الحكومة اللبنانية الجهة الوحيدة الموفّرة للأمن في الجنوب. كما طلب القرار البحث في خيارات لتنفيذ القرار 1701 بعد انسحاب القوة الدولية.

من هنا، يصبح السؤال الأكثر تعقيداً هو من سيملأ الفراغ، وما طبيعة مهمته، ومن يمنحه التفويض، ولمن يرفع تقاريره، وما حدود علاقته بالجيش وبإسرائيل؟
هذه الأسئلة تعني أن البحث في البديل ليس مسألة تقنية تتعلق بعدد الجنود أو جنسياتهم، بل هو جزء من صراع أوسع على من يملك حق تعريف قواعد الأمن في الجنوب.
وفي هذا السياق، تبرز فكرة الاستعانة بقوة عربية ضمن الترتيبات التي يجري تداولها للمرحلة المقبلة، في وقت تتجه فيه النقاشات الدولية إلى إيجاد آلية انتقالية تدعم الجيش بعد خروج “اليونيفل”. وقد ظهرت في النقاشات صيغ تضم شركاء عرباً وأوروبيين ودوليين، فيما بحث اجتماع باريس الأخير في بدائل دولية أو أوروبية لدعم الجيش بالتدريب والتجهيز والمواكبة.
لكن الحديث عن قوة عربية لا يعني بعد أن هناك قوة مكتملة وجاهزة لتولي المهمة. فما زالت الأسئلة الأساسية المرتبطة بأي قوة بديلة مفتوحة: من يمنحها التفويض، من يقودها، ما هي قواعد اشتباكها، وهل تقتصر مهمتها على مراقبة الترتيبات ودعم الجيش، أم تمتد إلى تنفيذها والتحقق من الانسحاب الإسرائيلي والتعامل مع أي خروقات؟ وبالتالي، فإن معيار نجاحها لن يكون في هويتها العربية فقط، بل في وضوح مهمتها وسلسلة قيادتها وغطائها القانوني وعلاقتها بالجيش.

وإذا كان رئيس الحكومة نواف سلام يحمل معه إلى نيويورك “اتفاق الإطار” إلى النقاشات المقبلة، وتحديداً المادة الرابعة منه وفق ما تورد المصادر، فإن أهمية هذا الطرح تكمن في معرفة ما إذا كانت القوة المقترحة ستكون مجرد قوة مساندة للجيش، أم ستملك دوراً تنفيذياً أو رقابياً مستقلاً.
وهنا تحديداً تكمن حساسية المرحلة. فإذا تراجعت مركزية القرار 1701 لمصلحة ترتيبات جديدة، فقد يجد لبنان نفسه أمام نظام أمني مختلف في الجنوب، تكون للولايات المتحدة فيه قدرة أكبر على تحديد قواعد التنفيذ وآليات التحقق، فيما تسعى إسرائيل إلى تثبيت الوقائع التي فرضتها ميدانياً قبل اكتمال أي تسوية.
لكن الخطر الآخر هو أن تتحول أي قوة جديدة إلى مرجعية أمنية موازية للجيش اللبناني، بدلاً من أن تكون أداة انتقالية تساعده على استعادة كامل دوره. فالقرار الدولي نفسه يربط مرحلة ما بعد “اليونيفل” بانتقال المسؤولية الأمنية إلى الدولة اللبنانية، فيما يبقى تعزيز قدرات الجيش أحد المحاور الأساسية في ترتيبات المرحلة المقبلة.
وهذا يعني أن القوة العربية، إذا أبصرت النور، ستكون أمام اختبار دقيق. فهل تأتي لتحل محل الجيش، أم لتساعده على أن يحل محل “اليونيفل”؟ فالفرق بين المهمتين ليس تفصيلاً تقنياً، بل هو جوهر الصراع على مستقبل الأمن في الجنوب. لذلك، فإن السؤال الحقيقي الذي ستفرضه المرحلة المقبلة ليس فقط: من سيحل محل “اليونيفل”؟ بل: هل سيكون البديل جسراً يعيد القرار الأمني إلى الدولة اللبنانية، أم إطاراً أمنياً جديداً يعيد توزيع القرار في الجنوب بين لبنان والولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل وقوة دولية أو عربية؟
وهنا ستكون قيمة “اتفاق الإطار” في التفاصيل لا في العناوين: من يراقب، من يتحقق، من يقرر، ومن يملك الكلمة الأخيرة عندما يقع الخلاف؟
فبعد “اليونيفل”، قد لا تكون المعركة على عدد الجنود الذين سيدخلون الجنوب، بل على من يملك قرار الأمن عندما يدخلون، خصوصًا أن تجربة لبنان مع قوات الردع العربية ابّان الحرب غير مشجعة للمضي قدمًا في أي مغامرة غير محسوبة النتائج.