وفي قلب هذه الخريطة، يبرز موقع كل من “التيار الوطني الحر” و”الحزب التقدمي الاشتراكي”، اللذين لا تجمعهما حتى الآن مظلة تحالف سياسي، لكنهما يقتربان، كل من جهته، من مساحة سياسية متشابهة.
“التيار الوطني الحر”ابتعد خلال المرحلة الماضية عن موقع الحليف السياسي ل”حزب الله”، وبات يقدم نفسه كقوة معارضة مستقلة. وفي الوقت نفسه، لم ينتقل إلى الضفة المقابلة بالكامل. فهو يرفع سقف موقفه من سلاح “حزب الله” ويطالب بحصريته بيد الدولة، لكنه يرفض في المقابل التعامل مع هذا الملف بمنطق الصدام الداخلي أو الاستقواء بالخارج، وهي معادلة عبّر عنها رئيسه جبران باسيل بوضوح في مواقفه الأخيرة.
حتى العلاقة بين “التيار وحزب الله” باتت تحمل هذه الازدواجية. فالاتصالات بين الطرفين لم تنقطع نهائياً، وحصلت أخيراً لقاءات أعادت فتح قنوات التواصل، لكن من دون عودة التحالف السابق أو استعادة تفاهم مار مخايل بصيغته السياسية القديمة. وفي المقابل، ظهر “التيار” في مجلس النواب كجزء أساسي من المعارضة للحكومة، ووصل إلى طرح الثقة بها.
على الضفة الأخرى، يقف “الحزب التقدمي الاشتراكي” في مساحة مختلفة ولكنها ليست بعيدة كثيراً. ف”الاشتراكي” يحافظ على علاقاته مع الثنائي الشيعي ولا يتعامل معه باعتباره خصماً يجب عزله، لكنه في الوقت نفسه يحتفظ بمواقفه الخاصة في الملفات الكبرى. والموقف الأخير لوليد جنبلاط من “اتفاق الإطار” يعكس هذه المرونة، إذ ربط موقفه بنتائج الاتفاق وإمكان تحقيق الانسحاب الإسرائيلي، بالتوازي مع دعوته “حزب الله” إلى الحوار مع الدولة.
من هنا، قد يصبح التقاطع بين “التيار والاشتراكي” أكثر أهمية مع أي فرز سياسي جديد. الأول ليس جزءاً من محور “حزب الله”، لكنه ليس مندمجاً أيضاً في الجبهة الأكثر خصومة معه، والثاني أقرب في علاقاته إلى “الثنائي الشيعي”، من دون أن يتحول إلى جزء سياسي منه. هذه المسافة التي يحافظ عليها الطرفان قد تمنحهما هامشاً واسعاً للحركة بين القوى المتقابلة.
الأهمية لا تتوقف عند المواقف السياسية. “التيار والاشتراكي” يمثلان كتلتين سياسيتين ونيابيتين لهما حضورهما، وأي تقارب منظم بينهما يمكن أن يخلق مساحة وسطية يصعب على الأطراف الأخرى تجاوزها، خصوصاً في الاستحقاقات التي تحتاج إلى تفاهمات عابرة للاصطفافات التقليدية.
ولا يعني ذلك أن تحالفاً بين الطرفين أصبح أمراً واقعاً، فهناك تاريخ طويل من الخلافات وحسابات انتخابية ومناطق نفوذ ومصالح مختلفة. لكن السياسة اللبنانية اعتادت أن تنتج تحالفاتها الجديدة عندما تتغير موازين القوى.
وإذا كانت المرحلة المقبلة ذاهبة بالفعل نحو إعادة فرز القوى السياسية، فإن السؤال لن يكون فقط أين سيقف “التيار” وأين سيقف الاشتراكي، بل ما إذا كان الطرفان سيكتشفان أن موقعهما الوسطي يمكن أن يتحول، بالتنسيق بينهما، إلى قوة سياسية وازنة.
فهل يكون التقاطع الحالي مقدمة لتفاهمات ظرفية فقط، أم أن لبنان يتجه نحو ولادة تحالفات سياسية جديدة تعيد رسم خريطة المرحلة المقبلة؟










اترك ردك