خلفيات عمليات إسرائيل في لبنان.. جنود أقل ونيران أكثر

“غارات جوية، توغلات برية، تفجيرات ضخمة، مسيّرات لا تغادر الأجواء وعمليات هدم وتفخيخ”.. مشهد يتكرر يومياً في جنوب لبنان، لكن ما يجري لا يبدو مجموعة عمليات منفصلة أو عشوائية.


عند جمع هذه التحركات، تظهر ملامح أسلوب إسرائيلي يقوم على المراقبة المستمرة والحركة السريعة واستخدام التكنولوجيا، بدلاً من الاعتماد فقط على الانتشار البري الثابت. وميدانياً، فإن الجيش الإسرائيلي يمزج بين الغارات والاستطلاع والتوغلات المحدودة والتفجيرات والهدم، ويغير أدواته وفق المنطقة والهدف.

من المواقع الثابتة إلى “السيطرة المتحركة”

تقول مصادر معنية بالشأن العسكري لـ“لبنان24” إن العمليات الأخيرة تكشف تراجع الاعتماد على “الموقع العسكري الثابت” كوسيلة وحيدة للسيطرة والعمل الميداني.

الأمر هذا لا يعني أن إسرائيل تخلت عن مواقعها أو النقاط التي تعتبرها استراتيجية، لكن جزءاً من عملياتها بات يعتمد على دخول قوة إلى منطقة محددة، وتنفيذ مهمة أو تفجير وهدم أهداف، ثم الانسحاب أو الانتقال إلى محور آخر، كما تقول المصادر.

في المقابل، تحاول إسرائيل تقليل المخاطر على جنودها، خصوصاً في المناطق التي قد تكون مفخخة. ولهذا، تشير المصادر إلى استخدام متزايد للمسيّرات ووسائل غير مأهولة في الاستطلاع وتنفيذ بعض المهمات، بما يسمح بإبقاء الجنود بعيداً قدر الإمكان عن المناطق الخطرة.

أيضاً، فإن إسرائيل، وبتقليصها مؤخراً، لعدد الألوية العاملة في جنوب لبنان، تثبّت دور التكنولوجيا والاستخبارات أكثر من أدوار الجنود الميدانيين، فيما تركز الاعتماد على الساحة الجوية والعمليات التكتيكية لفرض نيران أكثر وسط وجود جنود أقل.

في الوقت نفسه، أصبحت المسيّرات جزءاً أساسياً من العمليات، فهي لا تستخدم فقط لتنفيذ الضربات، بل أيضاً لمراقبة الأرض وجمع المعلومات وتعقب التحركات. وبذلك، تستطيع إسرائيل مراقبة مناطق واسعة من الجو من دون الحاجة إلى نشر قوات برية فيها بصورة دائمة، ما يمنحها قدرة على الاستهداف والتحرك، لكنه لا يعني بالضرورة أنها تملك سيطرة فعلية ومستقرة على الأرض.

ووسط كل ذلك، فإن المسألة الحربية في جنوب لبنان لا تتعلق فقط بطريقة تنفيذ العمليات بل أيضاً بطبيعة الأهداف. هناك أماكن قد تُضرب جواً، بينما تحتاج أهداف أخرى إلى توغل بري أو عملية تفجير، فيما تبقى مناطق أخرى تحت المراقبة قبل اتخاذ قرار بشأنها.

الجيش الإسرائيلي يقول إن عملياته تستند إلى معلومات استخبارية، وإنه يستهدف ما يصفه بمحاولات إعادة بناء القدرات العسكرية لـ”حزب الله”، بما يشمل مخازن أسلحة ومراكز قيادة ومسارات لنقل السلاح. لكن هذه تبقى الرواية التي يقدمها الجيش الإسرائيلي لتبرير عملياته، ولا يمكن اعتمادها دليلاً مستقلاً على طبيعة كل هدف يتم ضربه. مع هذا، فإن الوقائع الميدانية تظهر أيضاً عمليات هدم وتفجير طالت منازل ومنشآت وبنى مدنية، ما يطرح أسئلة حول الفارق بين الأهداف العسكرية التي تعلن عنها إسرائيل وبين حجم ونطاق الدمار الذي تتركه عملياتها على الأرض.

كذلك، فإن القدرة على تنفيذ الضربات من الجو أو بواسطة وسائل غير مأهولة تقلل المخاطر على الجنود الإسرائيليين، لكنها في المقابل تترك تداعيات كبيرة على القرى والسكان والبنى التحتية في الجنوب، فالمناطق المحتلة باتت ركاماً ورماداً بفعل عمليات التدمير الإسرائيلية.

من هنا، لا يمكن اختصار ما يجري في الجنوب بالغارات أو التوغلات وحدها. حُكماً، الصورة أوسع وتشملُ مراقبة جوية، جمع معلومات، اختيار أهداف، دخول بري عند الحاجة، استخدام وسائل غير مأهولة، ثم اللجوء الى القصف أو التفجير أو الهدم.

حتى العمليات البرية تختلف في حجمها. ففي 28 أيلول الماضي، أعلن الجيش الإسرائيلي انتهاء عملية على مستوى لواء في المنصوري، بالتزامن مع استمرار الغارات والتفجيرات والتحركات في مناطق جنوبية أخرى.

هذا يعني أن إسرائيل تعتمد نموذجاً متعدد الأدوات يسمح لها بالعمل داخل منطقة ما من دون احتلالها بصورة دائمة، ومراقبتها من دون نشر قوات كبيرة فيها، والعودة إليها عسكرياً متى قررت ذلك.

وعليه، يمكن قراءة الغارات والتوغلات والتفجيرات في الجنوب كأجزاء من منظومة إسرائيلية واحدة تقوم على المراقبة والحركة السريعة وتقليل المخاطر على الجنود، مع إبقاء مناطق واسعة تحت ضغط عسكري مستمر.

وهنا تكمن خطورة هذا النموذج، فعدم وجود احتلال بري واسع لا يعني غياب السيطرة بالنار أو المراقبة، كما أن وصف العمليات بأنها “محدودة” لا يلغي حجم الدمار الذي يمكن أن تتركه.

وبذلك، قد تتغير محاور العمليات وأدواتها من يوم إلى آخر، لكن النتيجة على الأرض تبقى واحدة بالنسبة إلى الكثير من القرى الجنوبية: ضغط عسكري مستمر، قدرة إسرائيلية على العودة والاستهداف في أي وقت، ومساحة مدنية تدفع جزءاً كبيراً من ثمن هذا النمط من العمليات.